ابن تيمية
219
مجموعة الفتاوى
بِحُكْمِ الْوَعْدِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَتَنَازَعُوا : هَلْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِدُونِ ذَلِكَ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ - كَمَا تَقَدَّمَ . قِيلَ : لَا يَجِبُ لِأَحَدِ عَلَيْهِ حَقٌّ بِدُونِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ . وَقِيلَ : هُوَ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَالظُّلْمُ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الظُّلْمِ الَّذِي لَا يَقَعُ فَقِيلَ : هُوَ الْمُمْتَنِعُ وَكُلُّ مُمْكِنٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ لَا يَكُونُ ظُلْماً لِأَنَّ الظُّلْمَ إمَّا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَإِمَّا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ طَاعَتُهُ وَكِلَاهُمَا مُمْتَنِعٌ مِنْهُ . وَقِيلَ : بَلْ مَا كَانَ ظُلْماً مِن العِبَادِ فَهُوَ ظُلْمٌ مِنْهُ : وَقِيلَ : الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ وَيُعَاقَبَ بِغَيْرِ ذَنْبِهِ وَالْهَضْمُ أَنْ يُهْضَمَ مِنْ حَسَنَاتِهِ . وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } . وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُقَالُ : مَا بَيَّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ