ابن تيمية
134
مجموعة الفتاوى
وَالتَّحْقِيقُ : أَنَّهَا نِعْمَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً تَامَّةً مِنْ وَجْهٍ وَأَمَّا الْإِنْعَامُ بِالدِّينِ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ فَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ فَهُوَ الْخَيْرُ الَّذِي يَنْبَغِي طَلَبُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ النِّعْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِفِعْلِ الْخَيْرِ . وَالْقَدَرِيَّةُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا أَنْعَمَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ الصَّالِحَةِ لِلضِّدَّيْنِ فَقَطْ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ مَخْلُوقاً أَنْ يَسْأَلَ مَخْلُوقاً إلَّا مَا كَانَ مَصْلَحَةً لِذَلِكَ الْمَخْلُوقِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ . فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَطْلُبُ مِن العَبْدِ إلَّا ذَلِكَ فَكَيْفَ يَأْمُرُ غَيْرَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ بَلْ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ الْعَبْدَ مَالَهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ . وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ مَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ أَوْ مَصْلَحَتَهُ وَمَصْلَحَةَ الْمَأْمُورِ فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ حُصُولَ مَطْلُوبِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ لِانْتِفَاعِ الْمَأْمُورِ فَهَذَا مِنْ نَفْسِهِ أَتَى وَمِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ قَطُّ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ إذْ هَذَا سُؤَالٌ مَحْضٌ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ لِنَفْعِهِ وَلَا لِمَصْلَحَتِهِ وَاَللَّهُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَنَرْغَبَ إلَيْهِ ، وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحْسِنَ إلَى عِبَادِهِ وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَلَمْ يَقْصِدْ الرَّغْبَةَ إلَى اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ . وَلَا قَصَدَ الْإِحْسَانَ إلَى الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ لَا يَأْثَمُ بِمِثْلِ هَذَا السُّؤَالِ ؛ لَكِنْ فَرْقٌ مَا بَيْنَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْعَبْدُ وَمَا يُؤْذَنُ لَهُ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفاً الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ : أَنَّهُمْ لَا يسترقون . وَإِنْ كَانَ الِاسْتِرْقَاءُ جَائِزاً . وَهَذَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ وَسَائِطَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ كَالْوَسَائِطِ الَّتِي