الشيخ الطبرسي
8
تفسير مجمع البيان
الزكاة المفروضة وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بالشرائع ، وهذا هو الظاهر . وقيل : معناه لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقول ( لا إله إلا الله ) فإنها زكاة الأنفس ، عن عطاء ، عن ابن عباس . وهذا كما يقال : أعطى فلان من نفسه الطاعة أي : ألزمها نفسه . وقد وصف سبحانه الكفر بالنجاسة بقوله : ( إنما المشركون نجس ، ) ، وذكر الزكاة بمعنى التطهير في قوله : ( خيرا منه زكاة ) . وقيل : معناه لا يقرون بالزكاة ، ولا يرون إيتاءها ، ولا يؤمنون بها ، عن الحسن وقتادة . وعن الكلبي : عابهم الله بها وقد كانوا يحجون ويعتمرون . وقيل : لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون ، عن الضحاك ومقاتل . وكان يقول : الزكاة قنطرة الاسلام . وقال الفراء : الزكاة في هذا الموضع أن قريشا كانت تطعم الحاج وتسقيهم ، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صل الله عليه وآله وسلم ( وهم بالآخرة هم كافرون ) وهم مع ذلك يجحدون بما أخبر الله تعالى به من أحوال الآخرة . ثم عقب سبحانه ما ذكره من وعيد الكافرين بذكر الوعد للمؤمنين فقال : ( إن الذين آمنوا ) أي : صدقوا بأمر الآخرة من الثواب والعقاب . ( وعملوا الصالحات ) أي : الطاعات ( لهم أجر غير ممنون ) أي : لهم جزاء على ذلك غير مقطوع ، بل هو متصل دائم . ويجوز أن يكون معناه : إنه لا أذى فيه من المن الذي يكدر الصنيعة . ثم وبخهم سبحانه على كفرهم فقال : ( قل ) يا محمد لهم ، على وجه الانكار عليهم ، ( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ) وهذا استفهام تعجيب أي : كيف تستجيزون أن تكفروا وتجحدوا نعمة من خلق الأرض ( في يومين ) أي : في مقدار يومين ( وتجعلون له أندادا ) أي : أمثالا وأشباها تعبدونهم . وفي هذا دلالة على أنه سبحانه ، إنما يستدل على إثبات ذاته وصفاته بأفعاله ، فهي دالة على إثبات صفاته ، إما بنفسها كما يدل صحة الفعل على كونه قادرا وأحكامه على كونه عالما ، وإما بواسطة كما يدل كونه قادرا عالما على كونه حيا موجودا سميعا بصيرا . ( ذلك رب العالمين ) أي : ذلك الذي خلق الأرض في يومين ، خالق العالمين ، ومالك التصرف فيهم . ( وجعل فيها ) أي : في الأرض ( رواسي ) أي : جبالا راسيات ثابتات ( من فوقها ) أي : من فوق الأرض . ( وبارك فيها ) بما خلق فيها من المنافع ، وقيل : بأن أنبت شجرها من غير غرس ، وأخرج نبتها من غير