الشيخ الطبرسي
73
تفسير مجمع البيان
وحكي أن زفر كان يذهب إلى أنه إذا قال : ( أشهد بالله ) كان يمينا ، وإن قال : ( أشهد ) ولم يقل ( بالله ) لم يره يمينا . وقال محمد الشيباني : ( أشهد ) غير موصولة بقوله ( بالله ) ، مثل أشهد موصولة بقولك بالله في أنه يمين ، واستشهد على ذلك بقوله : ( قالوا نشهد أنك لرسول الله ) . ثم قال : ( والله يشهد أن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة ) . فجعله يمينا ، ولم يوصل بقوله ( بالله ) . وأما شهدت الذي يراد به علمت ، ولا يراد به حضرت ، فهو ضرب من العلم مخصوص ، فكل شهادة علم ، وليس كل علم شهادة . ومما يدل على اختصاصه في العلم ، أنه لو قال عند الحاكم : أعلم أن لزيد على عمرو عشرة ، لم يحكم بها حتى يقول ( أشهد ) . فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص ، وليس كل علم تيقنا ، وإن كان كل تيقن علما ، فكان معنى أشهد أيها الحاكم على كذا : أعلمه علما يحضرني . وقد تذلل لي فلا أتوقف فيه لوضوحه عندي ، وتبينه لي . وليس كذلك سبيل المعلومات كلها . ألا ترى أن منها ما يحتاج إلى توقف فيه ، واستدلال عليه . وأما قوله ( أشهدوا خلقهم ) فمن الشهادة التي هي الحضور ، كأنهم وبخوا على أن قالوا ما لم يحضروه مما حكمه أن يعلم بالمشاهدة . ومن قال : ( أشهدوا خلقهم ) فالمعنى أحضروا ذلك . وكان الفعل متعديا إلى مفعولين . فلما بني للمفعول به ، نقص مفعولا ، فتعدى الفعل إلى مفعول واحد . ويقوي هذه القراءة : ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ) . وأما قوله ( إني أشهد الله ) و ( أشهدوا فحذف المفعول ( 1 ) الأول على حد : ضربني وضربت . وهذا منقول من شهد بكذا إلا أن حرف الجر يحذف مع أن ، وإن . المعنى : ثم أنكر سبحانه عليهم قولهم فقال : ( أم ) وهذا استفهام إنكار وتوبيخ ومعناه : بل ( اتخذ مما يخلق بنات ) أي اتخذ ربكم لنفسه البنات ( وأصفاكم ) أي أخلصكم ( بالبنين ) وهذا كقوله : ( أفأصفاكم ربكم بالبنين ) الآية . ثم زاد في
--> ( 1 ) كذا في النسخ ، والصواب مفعول الأول أي : مفعول الفعل الأول ، وهو أشهد الله ، فإن جملة أني برئ ليست مفعولا أولا على أي تقدير .