الشيخ الطبرسي

57

تفسير مجمع البيان

دعاهم إليه من أمور الدين . ( وأقاموا الصلاة ) أي : أداموها في أوقاتها بشرائطها ( وأمرهم شورى بينهم ) يقال : صار هذا الشئ شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه ، وهو فعلى من المشاورة ، وهي المفاوضة في الكلام ، ليظهر الحق أي : لا يتفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه . وقيل : إن المعني بالآية الأنصار ، كانوا إذا أرادوا أمرا قبل الاسلام ، وقبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتمعوا وتشاوروا ، ثم عملوا عليه ، فأثنى الله عليهم بذلك . وقيل : هو تشاورهم حين سمعوا بظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وورود النقباء عليه ، حتى اجتمعوا في دار أبي أيوب على الإيمان به ، والنصرة له ، عن الضحاك . وفي هذا دلالة على فضل المشاورة في الأمور . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد ) . ( ومما رزقناهم ينفقون ) في طاعة الله تعالى ، وسبيل الخير ( والذين إذا أصابهم البغي ) من غيرهم ( هم ينتصرون ) ممن بغى عليهم ، من غير أن يعتدوا ، عن السدي . وقيل : ينتصرون أي يتناصرون ينصر بعضهم بعضا نحو يختصمون ويتخاصمون ، عن أبي مسلم . وقيل : يعني به المؤمنين الذين أخرجهم الكفار من مكة ، وبغوا عليهم ، ثم مكنهم الله في الأرض ، حتى انتصروا ممن ظلمهم ، عن عطاء . وقيل : جعل الله المؤمنين صنفين : صنف يعفون عمن ظلمهم ، وهم الذين ذكروا قبل هذه الآية ، وهو قوله : ( وإذا ما غضبوا هم يغفرون ) وصنف ينتصرون ممن ظلمهم ، وهم الذين ذكروا في هذه الآية . فمن انتصر وأخذ بحقه ، ولم يجاوز في ذلك ما حد الله ، فهو مطيع لله . ومن أطاع الله ، فهو محمود ، عن ابن زيد . ثم ذكر سبحانه حد الإنتصار فقال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) قيل : هو جواب القبيح إذا قال : أخزاك الله ، تقول : أخزاك الله ، من غير أن تعتدي ، عن ابن نجيح والسدي ومجاهد . وقيل : يعني القصاص في الجراحات والدماء ، عن مقاتل . وسمى الثانية سيئة ، لأنها في مقابلة الأولى ، كما قال : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) . ثم ذكر سبحانه العفو فقال : ( فمن عفى وأصلح فأجره على الله ) أي : فمن عفا عما له المؤاخذة به ، وأصلح أمره فيما بينه وبين ربه ، فثوابه على الله ( إنه لا يحب الظالمين ) . ثم بين سبحانه أنه لم يرغب المظلوم في العفو عن الظالم لميله