الشيخ الطبرسي
461
تفسير مجمع البيان
التي فيه ، كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم . وإذا دخل المعنى في تعظيم الله ، حسن الاستفتاح به ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) قيل : إن الخطاب للمنافقين ، وهو تقريع لهم بأنهم يظهرون الإيمان ، ولا يبطنونه . وقيل : إن الخطاب للمؤمنين ، وتعيير لهم أن يقولوا شيئا ، ولا يفعلونه ، فال الجبائي : هذا على ضربين أحدهما : أن يقول سأفعل ، ومن عزمه أن لا يفعله ، فهذا قبيح مذموم والاخر : أن يقول سأفعل ومن عزمه أن يفعله ، والمعلوم أنه لا يفعله ، فهذا قبيح ، لأنه لا يدري أيفعله أم لا ، ولا ينبغي في مثل هذا أن يقرن بلفظة : إن شاء الله . ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) أي كبر هذا القول ، وعظم مقتا عند الله ، وهو أن تقولوا ما لا تفعلونه . وقيل : معناه كبر أن تقولوا ما لا تفعلونه ، وتعدوا من أنفسكم ما لا تفون به مقتا عند الله ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا . وقيل : يقاتلون في سبيله مصطفين ( كأنهم بنيان مرصوص ) كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه ، وشدة اتصاله . وقيل : كأنه حائط ممدود ، رص على البناء في إحكامه واتصاله واستقامته . أعلم الله سبحانه أنه يحب من ثبت في القتال ، ويلزم مكانه كثبوت البناء المرصوص ، ومعنى محبة الله إياهم أنه يريد ثوابهم ومنافعهم . ثم ذكر سبحانه حديث موسى عليه السلام في صدق نيته ، وثبات عزيمته على الصبر في أذى قومه ، تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تكذيبهم إياه فقال : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) هذا إنكار عليهم إيذاءه بعد ما علموا أنه رسول الله ، والرسول يعظم ، ويبجل ، ولا يؤذى . وكان قومه آذوه بأنواع من الأذى ، وهو قولهم : ( اجعل لنا إلها ) ، و ( اذهب أنت وربك فقاتلا ) . وما روي في قصة قارون أنه دس إليه امرأة ، وزعم أنه زنى بها ، ورموه بقتل هارون . وقيل : إن ذلك حين رموه بالأدرة ، وقد ذكرنا ذلك عند قوله : ( ولا تكونوا كالذين آذوا موسى ) الآية . ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) أي فلما مالوا عن الحق والاستقامة ، خلاهم وسوء اختيارهم ، ومنعهم الألطاف التي يهدي بها قلوب المؤمنين ، كقوله ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) عن أبي مسلم . وقيل : أزاغ الله قلوبهم عما يحبون ( إلى ما يكرهون . ولا يجوز أن يكون المراد : أزاغ الله قلوبهم عن الإيمان ، لأن الله تعالى لا يجوز أن يزيغ أحدا عن الإيمان . وأيضا فإنه يخرج الكلام عن الفائدة ، لأنهم إذا زاغوا عن الإيمان ، فقد حصلوا كفارا ، فلا معنى لقوله أزاغهم