الشيخ الطبرسي
45
تفسير مجمع البيان
دائم يوم القيامة ( الله الذي أنزل الكتاب ) أي القرآن ( بالحق ) أي بالصدق فيما أخبر به من ماض ومستقبل . وقيل : بالحق أي بالأمر والنهي ، والفرائض والأحكام ، وكله حق من الله ( والميزان ) أي وأنزل الله العدل ، والميزان عبارة عن العدل ، كنى به عنه ، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقاتل . وإنما سمي العدل ميزانا ، لأن الميزان آلة الانصاف والتسوية بين الخلق . وقيل : أراد به الميزان المعروف ، وأنزله الله من السماء ، وعرفهم كيف يعملون به بالحق ، وكيف يزنون به ، عن الجبائي . وقيل : الميزان محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقضي بينهم بالكتاب ، عن علقمة . ويكون على التوسع والتشبيه . ولما ذكر العدل ، أتبعه بذكر الساعة فقال : ( وما يدريك لعل الساعة قريب ) أي وما يدريك يا محمد ، ولا غيرك ، لعل مجئ الساعة قريب . وإنما أخفى الله الساعة ، ووقت مجيئها على العباد ، ليكونوا على خوف ، وليبادروا إلى التوبة . ولو عرفهم مجيئها ، لكانوا مغرين بالقبائح قبل ذلك ، تعويلا على التلافي بالتوبة . ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) لجهلهم بأحوالها وأهوالها ، فلا يخافون ما فيها ، إذ لم يؤمنوا بها ، فهم يطلبون قيامها إبعادا لكونها . ( والذين آمنوا مشفقون منها ) أي : خائفون من مجيئها ، وهم غير متأهبين لها . ( ويعلمون أنها الحق ) أي أن مجيئها الحق الذي لا خلف فيه . ( ألا إن الذين يمارون ) أي تدخلهم المرية والشك . ( في الساعة ) فيخاصمون في مجيئها على وجه الانكار لها . ( لفي ضلال ) عن الصواب ( بعيد ) حين لم يذكروا فيعلموا أن الذي خلقهم أولا ، قادر على بعثهم . ثم قال : ( الله لطيف بعباده ) أي حفي بار بهم رفيق ، عن ابن عباس وعكرمة والسدي . وقيل : اللطيف العالم بخفيات الأمور والغيوب . والمراد به هنا : الموصل المنافع إلى العباد من وجه يدق إدراكه ، وذلك في الأرزاق التي قسمها الله لعباده ، وصرف الآفات عنهم ، وإيصال السرور والملاذ إليهم ، وتمكينهم بالقدر والآلات ، إلى غير ذلك من ألطافه التي لا يوقف على كنهها لغموضها . ثم قال سبحانه : ( يرزق من يشاء ) أي يوسع الرزق على من يشاء ، يقال : فلان مرزوق إذا وصف بسعة الرزق وقيل : معناه يرزق من يشاء في خفض ودعة ، ومن يشاء في كد ومشقة ومتعبة ، وكل من رزقه الله من ذي روح ، فهو ممن شاء الله