الشيخ الطبرسي

300

تفسير مجمع البيان

الأرض ، وأجرى العادة بخلق الأشياء عند ضرب من تركيبها ، فكأنه سبحانه أنشأهم منها . ( وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ) أي في وقت كونكم أجنة في الأرحام ، أي علم من كل نفس ما هي صانعة ، وإلى ما هي صائرة ، عن الحسن . وقيل : معناه أنه سبحانه علم ضعفكم ، وميل طباعكم إلى اللمم ، وعلم حين كنتم في الأرحام ما تفعلون إذا خرجتم ، وإذا علم ذلك منكم قبل وجوده ، فكيف لا يعلم ما حصل منكم . ( فلا تزكوا أنفسكم ) أي لا تعظموها ، ولا تمدحوها بما ليس لها ، فإني أعلم بها . وقيل : معناه لا تزكوها بما فيها من الخير ، ليكون أقرب إلى النسك والخشوع ، وأبعد من الرياء ( هو أعلم بمن اتقى ) أي اتقى الشرك والكبائر . وقيل : هو أعلم بمن بر وأطاع وأخلص العمل ( أفرأيت الذي تولى ) أي أدبر عن الحق ( وأعطى قليلا وأكدى ) أي أمسك عن العطية وقطع ، عن الفراء . وقيل : منع منعا شديدا ، عن المبرد ( أعنده علم الغيب ) أي ما غاب عنه من أمر العذاب . ( فهو يرى ) أي يعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى ) أي بل ألم يخبر ولم يحدث بما في أسفار التوراة . ( وإبراهيم ) أي وفي صحف إبراهيم ( الذي وفى ) أي تمم وأكمل ما أمر به . وقيل : بلغ قومه وأدى ما أمر به إليهم . وقيل : أكمل ما أوجب الله عليه من كل ما أمر وامتحن به . ثم بين ما في صحفهما فقال : ( ألا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى . والمعنى : لا تؤخذ نفس بإثم غيرها ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) عطف على قوله ( ألا تزر ) وهذا أيضا ما في صحف إبراهيم وموسى أي : ليس له من الجزاء ألا جزاء ما عمله دون ما عمله غيره . ومتى دعا غيره إلى الإيمان فأجابه إليه فهو محمود على ذلك ، على طريق التبع ، وكأنه من أجل عمله صار له الحمد على هذا ، ولو لم يعمل شيئا لما استحق جزاء ، لا ثوابا ولا عقابا ( 1 ) ، عن ابن عباس في رواية الوالبي قال : إن هذا منسوخ الحكم في شريعتنا ، لأنه سبحانه يقول : ( ألحقنا بهم ذرياتهم ) رفع درجة الذرية ، وإن لم يستحقوها بأعمالهم ، ونحو هذا قال عكرمة : إن ذلك لقوم إبراهيم وموسى . فأما هذه الأمة فلهم ما سعى

--> ( 1 ) وفي نسخة . وعن ابن عباس .