الشيخ الطبرسي

17

تفسير مجمع البيان

المعنى : ثم حكى سبحانه عنهم بقوله : ( وقالوا ) يعني الكفار ( لجلودهم لم شهدتم علينا ) أي : يعاتبون أعضاءهم ، فيقولون لها : لم شهدتم علينا ( قالوا ) أي : فتقول جلودهم في جوابهم ( أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ) أي : مما ينطق . والمعنى . أعطانا الله آلة النطق والقدرة على النطق ، وتم الكلام . ثم قال سبحانه : ( وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) في الآخرة أي : إلى حيث لا يملك أحد الأمر والنهي سواه تعالى . وليس هذا من جواب الجلود . ( وما كنتم تستترون أن يشهد ) أي : من أن يشهد ( عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ) معناه : وما كنتم تستخفون أي : لم يكن يتهيأ لكم أن تستروا أعمالكم عن هذه الأعضاء ، لأنكم كنتم بها تعملون ، فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة . وقيل : معناه وما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن تشهد عليكم جوارحكم بها ، لأنكم ما كنتم تظنون ذلك . ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) لجهلكم بالله تعالى ، فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذاك . وروي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا وقالوا : أترى الله يسمع سرارنا ؟ ويجوز أن يكون المعنى : إنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله ، كما يقال : أهلكت نفسي أي : عملت عمل من أهلك النفس . وقيل : إن الكفار كانوا يقولون : إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ، ولكنه يعلم ما يظهر ، عن ابن عباس . ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ) ( ذلكم ) مبتدأ ، و ( ظنكم ) خبره ، و ( أرداكم ) خبر ثان . ويجوز أن يكون ( ظنكم ) بدلا من ( ذلكم ) . ويكون المعنى : وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم إذ هون عليكم أمر المعاصي ، وأدى بكم إلى الكفر . ( فأصبحتم من الخاسرين ) أي : فظللتم من جملة من خسرت تجارته ، لأنكم خسرتم الجنة ، وحصلتم في النار . قال الصادق عليه السلام : ينبغي للمؤمن أن يخاف الله خوفا ، كأنه يشرف على النار ، ويرجوه رجاء كأنه من أهل الجنة . إن الله تعالى يقول ( وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ، ) الآية . ثم قال . إن الله عند ظن عبده به إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ثم أخبر سبحانه عن حالهم فقال : ( فإن يصبروا فالنار مثوى لهم ) أي : فإن