الشيخ الطبرسي
167
تفسير مجمع البيان
يا محمد يعني مكة ( التي أخرجتك ) أي أخرجك أهلها . والمعنى : كم من رجال هم أشد من أهل مكة ، ولهذا قال : ( أهلكناهم ) فكنى عن الرجال ، عن ابن عباس . ( فلا ناصر لهم ) يدفع عنهم إهلاكنا إياهم . والمعنى : فمن الذي يؤمن هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك . ثم قال سبحانه على وجه التهجين والتوبيخ للكفار والمنافقين ( أفمن كان على بينة من ربه ) أي على يقين من دينه ، وعلى حجة واضحة من اعتقاده في التوحيد والشرائع ( كمن زين له سوء عمله ) زين له الشيطان المعاصي وأغواه ( واتبعوا أهواءهم ) أي شهواتهم وما تدعوهم إليه طباعهم ، وهو وصف لمن زين له سوء عمله ، وهم المشركون . وقيل : هم المنافقون ، عن ابن زيد ، وهو المروي عن أبي جعفر ( ع ) . ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله . ( مثل الجنة التي وعد المتقون ) تقدم تفسيره في سورة الرعد . ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) أي غير متغير لطول المقام ، كما تتغير مياه الدنيا ( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) فهو غير حامض ، ولا قارص ، ولا يعتريه شئ من العوارض التي تصيب الألبان في الدنيا ( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أي لذيذة يلتذون بشربها ، ولا يتأذون بها ، ولا بعاقبتها ، بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المزازة ( 1 ) والسكر والصداع . ( وأنهار من عسل مصفى ) أي خالص من الشمع والرغوة والقذى ، ومن جميع الأذى والعيوب التي تكون لعسل الدنيا ( ولهم فيها من كل الثمرات ) أي مما يعرفون اسمها ، ومما لا يعرفون اسمها ، مبرأة من كل مكروه يكون لثمرات الدنيا ( ومغفرة من ربهم ) أي ولهم مع هذا مغفرة من ربهم ، وهو أنه يستر ذنوبهم ، وينسيهم سيئاتهم ، حتى لا يتنغص عليهم نعيم الجنة ( كمن هو خالد في النار ) أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار ( وسقوا ماء حميما ) شديد الحر ( فقطع أمعاءهم ) إذا دخل أجوافهم . وقيل : إن قوله ( كمن هو خالد في النار ) معطوف على قوله . ( كمن زين له سوء عمله ) أي كمن زين له سوء عمله ، ومن هو خالد في النار ، فحذف الواو كما يقال : قصدني فلان شتمني ظلمني . ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا
--> ( 1 ) وفي نسختين ( المرارة ، بدل " المزازة " . والمزازة : طعم بين الحموضة والحلاوة .