الشيخ الطبرسي
131
تفسير مجمع البيان
هبوني امرأ منكم أضل بعيره ، * له ذمة ، إن الذمام كبير أي ضل عنه بعيره . ( وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ) فسرناه في سورة البقرة . ( فمن يهديه من بعد الله ) أي من بعد هداية الله إياه ، والمعنى : إذا لم يهتد بهدى الله بعد ظهوره ووضوحه ، فلا طمع في اهتدائه . ( أفلا تذكرون ) أي أفلا تتعظون بهذه المواعظ . وهذا استبطاء بالتذكر منهم أي : تذكروا واتعظوا حتى تحصلوا على معرفة الله تعالى . ثم أخبر سبحانه عن منكري البعث فقال : ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ليس الحياة إلا حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا ، ولا يكون بعد الموت بعث ، ولا حساب . ( نموت ونحيا ) قيل في معناه أقوال أحدها : إن تقديره نحيا ونموت ، فقدم وأخر والثاني . إن معناه نموت ونحيي أولادنا والثالث : يموت بعضنا ويحيا بعضنا ، كما قال ( فاقتلوا أنفسكم ) أي ليقتل بعضكم بعضا . ( وما يهلكنا إلا الدهر ) أي وما يميتنا إلا الأيام والليالي أي مرور الزمان ، وطول العمر ، إنكارا منهم للصانع . ( وما لهم بذلك من علم ) نفى سبحانه عنهم العلم أي إنما ينسبون ذلك إلى الدهر لجهلهم ، ولو علموا أن الذي يميتهم هو الله ، وأنه قادر على إحيائهم ، لما نسبوا الفعل إلى الدهر . ( إن هم إلا يظنون ) أي ما هم فيما ذكروه إلا ظانون ، وإنما الأمر بخلافه ، وقد روي في الحديث عن النبي ( ص ) أنه قال : ( لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ) وتأويله أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة ، والبلايا النازلة إلى الدهر ، فيقولون : فعل الدهر كذا . وكانوا يسبون الدهر فقال ( ص ) : " إن فاعل هذه الأمور هو الله تعالى ، فلا تسبوا فاعلها " وقيل : معناه فإن الله مصرف الدهر ومدبره ، والوجه الأول أحسن . فإن كلامهم مملوء من ذلك ينسبون أفعال الله إلى الدهر . قال الأصمعي : ذم أعرابي رجلا فقال : هو أكثر ذنوبا من الدهر ، وقال كثير : وكنت كذي رجلين : رجل صحيحة ، * ورجل ، رمى فيها الزمان ، فشلت وقال آخر : فاستأثر الدهر الغداة بهم * والدهر يرميني ، وما أرمي