الشيخ الطبرسي
125
تفسير مجمع البيان
الزجاج . كل ذلك منه تفضل وإحسان . ويحسن الوقف على قوله ( جميعا ) ، ثم يقول ( منه ) أي ذلك التسخير منه ، لا من غيره ، فهو فضله وإحسانه . وروي عن ابن عباس ، وعبد الله بن عمر ، والجحدري أنهم قرأوا ( منة ) منصوبة ومنونة . وعلى هذا فيكون من باب تبسمت وميض البرق . فكأنه قال : من عليهم منة ، وروي عن سلمة أنه قرأ ( منة ) بالرفع ، وعلى هذا فيكون خبر مبتدأ محذوف أي : ذلك منة ، أو هو منة ، أو يكون على معنى سخر لكم ذلك منة . ( إن في ذلك لآيات ) أي دلالات ( لقوم يتفكرون ) . ثم خاطب سبحانه نبيه ( ص ) فقال : ( قل ) يا محمد ( للذين آمنوا يغفروا ) هذا جواب أمر محذوف ، دل عليه الكلام وتقديره : قل لهم اغفروا يغفروا . فصار قل لهم على هذا الوجه يغني عنه ، عن علي بن عيسى . وقيل : معناه قل للذين آمنوا اغفروا ، ولكنه شبه بالشرط والجزاء كقوله : ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ) عن الفراء . وقيل : يغفروا تقديره : يا هؤلاء اغفروا . فحذف المنادى كقوله . ( ألا يا اسجدوا لله ) . وقول الشاعر : ( ألا يا اسلمي ذات الدماليج والعقد ) ( 1 ) . ( للذين لا يرجون أيام الله ) أي لا يخافون عذاب الله إذا نالوكم بالأذى والمكروه ، ولا يرجون ثوابه بالكف عنكم . وقد مر تفسير أيام الله عند قوله : ( وذكرهم بأيام الله ) . ومعنى يغفروا ههنا : يتركوا مجازاتهم على أذاهم ، ولا يكافؤوهم ليتولى الله مجازاتهم . ( ليجزي قوما بما كانوا يكسبون ) بيان هذا الجزاء في الآية التي تليها ، وهو قوله : ( من عمل صالحا ) أي طاعة وخيرا وبرا ( فلنفسه ) لأن ثواب ذلك يعود عليه ( ومن أساء فعليها ) أي فوبال إساءته على نفسه ( ثم إلى ربكم ترجعون ) يوم القيامة أي إلى حيث لا يملك أحد النفع والضر ، والنهي والأمر ، غيره سبحانه ، فيجازي كل انسان على قدر عمله . ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين ( 16 ) وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( 17 ) ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء
--> ( 1 ) جمع الدملوج : حلي يلبس في المعصم . والعقد : القلادة .