الشيخ الطبرسي
111
تفسير مجمع البيان
ثم أخبر سبحانه عن كفار قوم نبينا ( ص ) الذين ذكرهم في أول السورة فقال : ( إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ) أي ما الموتة إلا موتة نموتها في الدنيا ، ثم لا نبعث بعدها ، وهو قوله : ( وما نحن بمنشرين ) أي بمبعوثين ، ولا معادين ( فائتوا بآبائنا ) الذين ماتوا قبلنا ، وأعيدوهم ( إن كنتم صادقين ) في أن الله تعالى يقدر على إعادة الأموات وإحيائهم . وقيل : إن قائل هذا أبو جهل بن هشام قال : إن كنت صادقا فابعث جدك قصي بن كلاب ، فإنه كان رجلا صادقا ، لنسأله عما يكون بعد الموت . وهذا القول جهل من أبي جهل من وجهين أحدهما : إن الإعادة إنما هي للجزاء ، لا للتكليف . وليست هذه الدار بدار جزاء ، ولكنها دار تكليف ، فكأنه قال : إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء ، فأعدهم للتكليف . والثاني : إن الإحياء في دار الدنيا إنما يكون للمصلحة ، فلا يقف ذلك على اقتراحهم ، لأنه ربما تعلق بذلك مفسدة . ولما تركوا الحجة وعدلوا إلى الشبهة جهلا ، عدل سبحانه في إجابتهم إلى الوعيد والوعظ فقال : ( أهم خير أم قوم تبع ) أي أمشركو قريش أظهر نعمة ، وأكثر أموالا ، وأعز في القوة والقدرة ، أم قوم تبع الحميري الذي سار بالجيوش حتى حير ( 1 ) الحيرة ، ثم أتى سمرقند فهدمها ، ثم بناها ، وكان إذا كتب كتب باسم الذي ملك برا وبحرا وضحا وريحا ، عن قتادة . وسمي تبعا لكثرة أتباعه من الناس . وقيل : سمي تبعا لأنه تبع من قبله من ملوك اليمن . والتبابعة . اسم ملوك اليمن . فتبع لقب له كما يقال خاقان لملك الترك ، وقيصر لملك الروم واسمه أسعد ( 2 ) أبو كرب . وروى سهل بن سعد عن النبي ( ص ) أنه قال : " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " . وقال كعب : نعم الرجل الصالح ذم الله قومه ، ولم يذمه . وروى الوليد بن صبيح ، عن أبي عبد الله ( ع ) قال : إن تبعا قال للأوس والخزرج كونوا ههنا ، حتى يخرج هذا النبي . أما أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه . ( والذين من قبلهم ) يعني من تقدمهم من قوم نوح وعاد وثمود . ( أهلكناهم )
--> ( 1 ) ثم لم نجد له فيما بأيدينا من كتب اللغة معنى يناسبه ولعله مما يشتق ، ويؤخذ الفعل من الاسم نحو خيم القوم أي : ضربوا خياما . وهذا أيضا مأخوذ من الحيرة . وفي نسخة : حيز مأخوذ من الحيز . ( 2 ) وفي المخطوطة " سعد " .