الشيخ الطبرسي
80
تفسير مجمع البيان
لشئ ، ولكنهم في عدول ظاهر عن الحق . ولما ذكر سبحانه الأدلة الدالة على توحيده وقدرته وحكمته ، بين عقيب ذلك قصة لقمان ، وأنه أعطاه الحكمة فقال : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) أي أعطيناه العقل والعلم والعمل به ، والإصابة في الأمور . واختلف فيه فقيل : إنه كان حكيما ، ولم يكن نبيا ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين . وقيل : إنه كان نبيا ، عن عكرمة والسدي والشعبي ، وفسروا الحكمة هنا بالنبوة . وقيل : إنه كان عبدا أسود حبشيا ، غليظ المشافر ، مشقوق الرجلين في زمن داود عليه السلام وقال له بعض الناس : ألست كنت ترعى معنا ؟ فقال : نعم . قال : فمن أين أوتيت ما أرى ؟ قال : قدر الله ، وأداء الأمانة ، وصدق الحديث ، والصمت عما لا يعنيني . وقيل : إنه كان ابن أخت أيوب ، عن وهب . وقيل : كان ابن خالة أيوب ، عن مقاتل . وروي عن نافع عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( حقا أقول : لم يكن لقمان نبيا ، ولكن كان عبدا كثير التفكر ، حسن اليقين ، أحب الله فأحبه ، ومن عليه بالحكمة ، كان نائما نصف النهار ، إذ جاءه نداء : يا لقمان ! هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض ، تحكم بين الناس بالحق ؟ فأجاب الصوت : إن خيرني ربي قبلت العافية ، ولم أقبل البلاء ، وإن عزم علي فسمعا وطاعة ، فإني أعلم أنه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني . فقالت الملائكة بصوت لا يراهم . لم يا لقمان ؟ قال : لأن الحكم أشد المنازل وآكدها ، يغشاه الظلم من كل مكان ، إن وقي فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة . ومن يكن في الدنيا ذليلا ، وفي الآخرة شريفا ، خير من أن يكون في الدنيا شريفا ، وفي الآخرة ذليلا . ومن يختر الدنيا على الآخرة ، تفته الدنيا ، ولا يصيب الآخرة . فتعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطي الحكمة ، فانتبه يتكلم بها . ثم كان يؤازر داود بحكمته ، فقال له داود : طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى ) . ( أن اشكر لله ) معناه . وقلنا له اشكر لله تعالى على ما أعطاك من الحكمة ( ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ) أي : من يشكر نعمة الله ، ونعمة من أنعم عليه ، فإنه إنما يشكر لنفسه ، لأن ثواب شكره عائد عليه ، ويستحق مزيد النعمة ، والزيادة الحاصلة بالشكر تكون له ( ومن كفر فإن الله غني ) عن شكر الشاكرين ( حميد )
--> ( 1 ) جمع المشفر : الشفة .