الشيخ الطبرسي
416
تفسير مجمع البيان
عادة التخاطب فبما بيننا ، لأنا نقول : هذا في قبضة فلان ، وفي يد فلان : إذا هان عليه التصرف فيه ، وإن لم يقبض عليه ، وكذا قوله : ( والسماوات مطويات بيمينه ) أي : يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشئ المقدور له طيه بيمينه . وذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار والتحقيق للملك ، كما قال : ( أو ما ملكت أيمانكم ) أي : ما كانت تحت قدرتكم ، إذ ليس الملك يختص باليمين دون الشمال ، وسائر الجسد . وقيل : معناه أنه محفوظات مصونات بقوته . واليمين : القوة كما في قول الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد ، تلقاها عرابة باليمين ( 1 ) ثم نزه سبحانه نفسه عن شركهم فقال : ( سبحانه وتعالى عما يشركون ) أي : عما يضيفونه إليه من الشبيه والمثل . ( ونفخ في الصور ) وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل . ووجه الحكمة في ذلك أنها علامة جعلها الله ليعلم بها العقلاء آخر أمرهم في دار التكليف ، ثم تجديد الخلق . فشبه ذلك بما يتعارفونه من بوق الرحيل ، والنزول ، ولا تتصوره النفوس بأحسن من هذه الطريقة . وقيل : إن الصور جمع صورة ، فكأنه نفخ في صورة الخلق ، عن قتادة . وروي عنه أنه قرأ في الصور بفتح الواو . ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض ) أي : يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السماوات والأرض ، يقال : صعق فلان إذا مات بحال هائلة شبيهة بالصيحة العظيمة . ( إلا من شاء الله ) اختلف في المستثنى فقيل : هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، عن السدي ، وهو المروي عن حديث مرفوع . وقيل : هم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ، عن سعيد بن جبير وعطا ، عن ابن عباس وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سال جبرائيل عن هذه الآية : من الذي لم يشأ الله أن يصعقهم ؟ قال : هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش . ( ثم نفخ فيه أخرى ) يعني نفخة البعث ، وهي النفخة الثانية . وقال قتادة في حديث رفعه . إن ما بين النفختين أربعين سنة . وقيل : إن الله تعالى يفني الأجسام كلها بعد الصعق ، وموت الخلق ، ثم يعيدها . وقوله : ( فإذا هم قيام ) إخبار عن
--> ( 1 ) قائله شماخ ونسبه الجوهري إلى الحطيئة وعرابة : اسم رجل من الأنصار وقد مر البيت أيضا .