الشيخ الطبرسي

38

تفسير مجمع البيان

بكم موضع ، فاعبدوني ولا تعبدوا غيري ، إن أرضي واسعة . أمر سبحانه المؤمنين إذا كانوا في بلد ، لا يلتئم فيه لهم أمر دينهم ، أن ينتقلوا عنه إلى غيره . ثم خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة فقال : ( كل نفس ذائقة الموت ) أي : كل نفس أحياها الله بحياة خلقها فيه ذائقة مرارة الموت بأي أرض كان ، فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت ( ثم إلينا ترجعون ) بعد الموت ، فنجازيكم بأعمالكم . ثم ذكر سبحانه ثواب من هاجر فقال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) يعني المهاجرين ( لنبوئنهم ) أي : لننزلنهم ( من الجنة غرفا ) أي : علالي عاليات ( تجري من تحتها الأنهار ) قال ابن عباس : لنسكننهم غرف الدر ، والزبرجد ، والياقوت ، ولننزلنهم قصور الجنة . ( خالدين فيها ) يبقون فيها ببقاء الله ( نعم أجر العاملين ) لله تلك الغرف . ثم وصفهم فقال : ( الذين صبروا ) على دينهم فلم يتركوه لشدة نالتهم ، وأذى لحقهم ، وصبروا على مشاق الطاعات ( وعلى ربهم يتوكلون ) في مهمات أمورهم ، ومهاجرة دورهم . ثم قال : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها ) أي : وكم من دابة لا يكون رزقها مدخرا معدا ، عن الحسن . وقيل : معناه لا تطيق حمل رزقها لضعفها ، وتأكل بأفواهما ، عن مجاهد . وقيل : إن الحيوان أجمع من البهائم والطيور وغير هما مما يدب على وجه الأرض ، لا تدخر القوت لغدها إلا ابن آدم ، والنملة ، الفارة ، بل تأكل منه قدر كفايتها فقط ، عن ابن عباس . ( الله يرزقها وإياكم ) أي : يرزق تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها ، ويرزقكم أيضا ، فلا تتركوا الهجرة بهذا السبب . وعن عطا عن ابن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار ، فجعل يلتقط من التمر ويأكل . فقال : يا ابن عمر ! ما لك لا تأكل ؟ فقلت : لا أشتهيه يا رسول الله . قال : ( لكني أشتهيه ، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر ، فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين ) . فوالله ما برحنا حتى نزلت هذه الآية : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) . ( وهو السميع العليم ) أي : السميع لأقوالكم عند مفارقة أوطانكم ، العليم بأحوالكم ، لا يخفى عليه شئ من سركم وإعلانكم . ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن