الشيخ الطبرسي
360
تفسير مجمع البيان
عليه جسدا . والجسد الذي لا روح فيه ، ثم أناب سليمان . واختلف العلماء في زلته وفتنته والجسد الذي ألقي على كرسيه على أقوال منها أن سليمان قال يوما في مجلسه : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ، تلد كل امرأة منهن غلاما ، يضرب بالسيف في سبيل الله ، ولم يقل : إن شاء الله ، فطاف عليهن ، فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة ، جاءت بشق ولد ، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ثم قال : فوالذي نفس محمد بيده ، لو قال " إن شاء الله " لجاهدوا في سبيل الله فرسانا . الجسد الذي ألقي على كرسيه كان هذا . ثم أناب إلى الله تعالى ، وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه ، وهذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة ولا كبيرة ، لأنه وإن لم يستثن ذلك لفظا ، فلا بد من أن يكون قد استثناه ضميرا واعتقادا ، إذ لو كان قاطعا للقول بذلك ، لكان مطلقا لما لا يأمن من أن يكون كذبا ، إلا أنه لما لم يذكر لفظة الاستثناء ، عوتب على ذلك من حيث ترك ما هو مندوب إليه . ومنها : ما روي أن الجن والشياطين لما ولد لسليمان ابن ، قال بعضهم لبعض : إن عاش له ولد ، لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء ، فأشفق منهم عليه فاسترضعه في المزن ، وهو السحاب ، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا ، تنبيها على أن الحذر لا ينفع عن القدر ، فإنما عوتب على خوفه من الشياطين ، عن الشعبي ، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام . ومنها : أنه ولد له ولد ميت ، جسد بلا روح ، فألقي على سريره ، عن الجبائي . ومنها أن الجسد المذكور هو جسد سليمان لمرض امتحنه الله تعالى به . وتقدير الكلام : وألقينا منه على كرسيه جسدا ، لشدة المرض ، فيكون ( جسدا ) منصوبا على الحال . والعرب تقول في الانسان إذا كان ضعيفا : هو جسد بلا روح ، ولحم على وضم . ( ثم أناب ) أي : رجع إلى حال الصحة ، عن أبي مسلم ، واستشهد على ذلك بقوله تعالى ( ومنهم من يستمع إليك ) إلى قوله : ( يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) . ولو أتى بالكلام على شرحه ، لقال : يقول الذين كفروا منهم أي : من المجادلين ، كما قال سبحانه : ( محمد رسول الله ) ، إلى قوله : ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة ) ، ومثله قول الأعشى :