الشيخ الطبرسي

35

تفسير مجمع البيان

إنزال القرآن دلالة واضحة ، ومعجزة لائحة ، وحجة بالغة ، تنزاح معه العلة ، وتقوم به الحجة ، فلا يحتاج في الوصول إلى العلم بصحة نبوته إلى غيره . على أن إظهار المعجزات ، مع كونها إزاحة للعلة ، تراعى فيه المصلحة . فإذا كانت المصلحة في إظهار نوع منها ، لم يجز إظهار غيرها ، ولو أظهر الله سبحانه الآيات التي اقترحوها ، ثم لم يؤمنوا ، لاقتضت الحكمة إهلاكهم بعذاب الاستئصال ، كما اقتضت ذلك في الأمم السالفة . وقد وعد الله سبحانه أن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستئصال . وفي هذا دلالة على أن القرآن كافي المعجز ، وأنه في أعلى درجات الإعجاز ، لأنه جعله كافيا عن جميع المعجزات . والكفاية : بلوغ حد ينافي الحاجة . ( إن في ذلك ) معناه إن في القرآن ( لرحمة ) أي : نعمة عظيمة الموقع ، لأن من تبعه ، وعمل به ، نال الثواب ، وفاز بالجنة ( وذكرى ) أي : وتذكير ، أو موعظة ( لقوم يؤمنون ) أي : يصدقون به . وقيل : إن قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب ، فهددهم سبحانه في هذه الآية ، ونهاهم عنه . وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( جئتكم بها بيضاء نقية ) . ( قل ) يا محمد ( كفى بالله بيني وبينكم شهيدا ) لي بالصدق والإبلاغ ، وعليكم بالتكذيب والعناد . وشهادة الله له قوله ( محمد رسول الله ) وهو في كلام معجز قد ثبت أنه من الله سبحانه . وقيل : إن شهادة الله له إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه . ( يعلم ما في السماوات والأرض ) فيعلم أني على الهدى ، وأنكم على الضلالة . ( والذين آمنوا بالباطل ) أي : صدقوا بغير الله ، عن ابن عباس . وقيل : بعبادة الشيطان ، عن مقاتل ( وكفروا بالله ) أي : جحدوا وحدانية الله ( أولئك هم الخاسرون ) خسروا ثواب الله بارتكاب المعاصي ، والجحود بالله ( ويستعجلونك بالعذاب ) يا محمد أي : يسألونك نزول العذاب عاجلا ، لجحودهم صحة ما توعدهم به ، كما قال النضر بن الحرث : أمطر علينا حجارة من السماء . ( ولولا أجل مسمى ) أي : وقت قدرة الله تعالى أن يعاقبهم فيه ، وهو يوم القيامة ، أو أجل قدره الله تعالى أن يبقيهم إليه ، لضرب من المصلحة . ( لجاءهم العذاب ) الذي استحقوه . ( وليأتينهم ) العذاب ( بغتة وهم لا يشعرون ) بإتيانه ووقت مجيئه . ثم ذكر أن موعد عذابهم النار فقال . ( يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) يعني . إن العذاب ، وإن لم يأتهم في