الشيخ الطبرسي

323

تفسير مجمع البيان

وحجة من قال إنه إسحاق : أن أهل الكتابين أجمعوا على ذلك . وجوابه : إن إجماعهم ليس بحجة ، وقولهم غير مقبول . وروى محمد بن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي قال : كنت عند عمر بن عبد العزيز ، فسألني عن الذبيح فقلت : إسماعيل ، واستدللت بقوله ( وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين ) ، فأرسل إلى رجل بالشام كان يهوديا ، فأسلم ، وحسن إسلامه ، وكان يرى أنه من علماء اليهود ، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك ، وأنا عنده ، فقال : إسماعيل . ثم قال : والله يا أمير المؤمنين ! إن اليهود لتعلم ذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أبوكم الذي كان من أمر الله فيه ما كان ، فهم يجحدون ذلك ، ويزعمون أنه إسحاق ، لان إسحاق أبوهم . وقال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء ، عن الذبيح إسحاق أم إسماعيل ؟ فقال : يا أصمعي ! أين ذهب عنك عقلك ؟ ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان بمكة إسماعيل ، وهو بنى البيت مع أبيه ، والمنحر بمكة لا شك فيه . وقد استدل بهذه الآية من أجاز نسخ الشئ قبل وقت فعله ، فقال : إن الله تعالى نهاه عن ذبحه بعد أن أمره به ، وقد أجيب عن ذلك بأجوبة . أحدها : إنه سبحانه لم يأمر إبراهيم بالذبح الذي هو فري الأوداج ، وإنما أمره بمقدمات الذبح من الإضجاع ، وتناول المدية ، وما يجري مجرى ذلك . والعرب قد تسمي الشئ باسم مقدماته . ولهذا قال : ( قد صدقت الرؤيا ) . ولو كان أمره بالذبح ، لكان إنما صدق بعض الرؤيا . وأما الفداء بالذبح ، فلما كان يتوقعه من الأمر بالذبح ، ولا يمتنع أيضا أن يكون فدية عن مقدمات الذبح ، لان الفدية لا يجب أن تكون من جنس المفدى . ألا ترى أن حلق الرأس قد يفدى بدم ما يذبح ، وكذلك لبس الثوب المخيط ، والجماع ، وغير ذلك . وثانيها : إنه عليه السلام إنما أمر بصورة الذبح ، وقد فعله ، لأنه فرى أوداج ابنه ، ولكنه كلما فرى جزءا منه ، وجاوزه إلى غيره ، عاد في الحال ملتحما . فإن قلت : إن حقيقة الذبح هو قطع مكان مخصوص ، تزول معه الحياة ؟ فالجواب : إن ذلك غير مسلم ، لأنه يقال ذبح هذا الحيوان ، ولم يمت بعد ، ولو سلمنا أن حقيقة الذبح ذلك ، لكان لنا أن نحمل الذبح على المجاز للدليل الدال عليه . وثالثها : إن الله تعالى أمره بالذبح ، إلا أنه سبحانه جعل على عنقه صفحة من