الشيخ الطبرسي

321

تفسير مجمع البيان

بغلام حليم ) أي : بابن وقور ، عن الحسن قال : وما سمعت الله تعالى نحل عباده شيئا أجل من الحلم . والحليم : الذي لا يعجل في الأمر قبل وقته ، مع القدرة عليه . وقيل : الذي لا يعجل بالعقوبة . قال الزجاج : وهذه البشارة تدل على أن الغلام يبقى حتى ينتهي في السن ، ويوصف بالحلم . ثم أخبر سبحانه أن الغلام الذي بشر به ، ولد له وترعرع بقوله : ( فلما بلغ معه السعي ) أي : شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم ، عن مجاهد . والمعنى : بلغ إلى أن يتصرف ويمشي معه ، ويعينه على أموره قالوا : وكان يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة . وقيل : يعني بالسعي العمل لله والعبادة ، عن الحسن والكلبي ، وابن زيد ومقاتل . ( قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ) معنى رأى في الكلام على خمسة أوجه أحدها : أبصر والثاني : علم نحو رأيت زيدا عالما . والثالث : ظن كقوله تعالى . ( إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ) . والرابع : اعتقد نحو قوله : وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ، * إذا ما رأته عامر وسلول والخامس : بمعنى الرأي ، نحو : رأيت هذا الرأي . وأما رأيت في المنام ، فمن رؤية البصر ، فمعنى الآية : إن إبراهيم قال لابنه إني أبصرت في المنام رؤيا تأويلها الأمر بذبحك ، فانظر ماذا تراه ، أو أي شئ ترى من الرأي . ولا يجوز أن يكون ترى فهنا بمعنى تبصر ، لأنه لم يشر إلى شئ يبصر بالعين ، ولا يجوز أن يكون بمعنى علم ، أو ظن ، أو اعتقد ، لأن هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين ، وليس هنا إلا مفعول واحد ، مع استحالة المعنى . فلم يبق إلا أن يكون من الرأي . والأولى أن يكون الله تعالى قد أوحى إليه في حال اليقظة ، وتعبده بأن يمضي ما يأمره به في حال نومه ، من حيث إن منامات الأنبياء لا تكون إلا صحيحة ، ولو لم يأمره بذلك في حال اليقظة ، لما كان يجوز أن يعمل على ما يراه في المنام . وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : منامات الأنبياء وحي . وقال قتادة : رؤيا الأنبياء حق ، إذا رأوا شيئا فعلوه . وقال أبو مسلم : رؤيا الأنبياء مع أن جميعها صحيحة ضربان أحدهما . أن يأتي الشئ كما رأوه ، ومنه قوله سبحانه . ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ) الآية . والأخر : أن يكون عبارة عن خلاف الظاهر مما رأوه في المنام ، وذلك كرؤيا يوسف الأحد عشر كوكبا ، والشمس والقمر ، ساجدين . وكان رؤيا إبراهيم من هذا القبيل ، لكنه لم يأمن أن يكون ما رآه مما يلزمه العمل به