الشيخ الطبرسي

32

تفسير مجمع البيان

( إلا الذين ظلموا منهم ) أي : إلا من أبى أن يقر بالجزية منهم ، ونصب الحرب ، فجادلوا هؤلاء بالسيف حتى يسلموا ، أو يعطوا الجزية ، عن مجاهد ، وسعيد بن جبير . وقيل : إلا الذين ظلموا منهم بالعناد ، وكتمان صفة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعد العلم به ، عن أبي مسلم . وقيل : إلا الذين ظلموا منهم بالإقامة على الكفر ، بعد قيام الحجة ، عن ابن زيد . والأولى أن يكون معناه : إلا الذين ظلموك في جدالهم ، أو في غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم ، فيجوز أن يسلكوا معهم طريقة الغلظة . وقيل : إن الآية منسوخة بآية السيف ، عن قتادة . والصحيح أنها غير منسوخة ، لأن الجدال على الوجه الأحسن هو الواجب الذي لا يجوز غيره . ( وقولوا ) لهم ، في المجادلة ، وفي الدعوة إلى الدين ( آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ) أي : بالكتاب الذي أنزل إلينا ، وبالكتاب الذي أنزل إليكم ( وإلهنا وإلهكم واحد ) لا شريك له ( ونحن له مسلمون ) أي : مخلصون طائعون ( وكذلك ) أي : ومثل ما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى . ( أنزلنا إليك الكتاب ) وهو القرآن ( فالذين آتيناهم الكتاب ) أي : علم الكتاب ، فحذف المضاف ( يؤمنون به ) يعني مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام ، ونظرائه . ( ومن هؤلاء ) يعني كفار مكة ( من يؤمن به ) يعني من أسلم منهم . ويجوز أن تكون الهاء في به راجعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ويجوز أن تكون راجعة إلى القرآن . ويحتمل أيضا أن يريد بقوله ( الذين آتيناهم الكتاب ) المسلمين . والكتاب : القرآن . ( ومن هؤلاء ) : يعني ومن اليهود والنصارى من يضمن به . ( وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون ) أي : وما ينكر دلالاتنا إلا الكافرون ، ولا يضرك جحودهم . ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ) أي : وما كنت يا محمد تقرأ قبل القرآن كتابا ، والمعنى . إنك لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى إليك بالقرآن . ( ولا تخطه بيمينك ) معناه : وما كنت أيضا تكتبه بيدك ( إذا لارتاب المبطلون ) أي : ولو كنت تقرأ كتابا ، أو تكتبه ، لوجد المبطلون طريقا إلى اكتساب الشك في أمرك ، وإلقاء الريبة لضعفة الناس في نبوتك ، ولقالوا : إنما تقرأ علينا ما جمعته من كتب الأولين . فلما ساويتهم في المولد والمنشأ ، ثم أتيت بما عجزوا عنه ، وجب أن يعلموا أنه من عند الله تعالى ، وليس من عندك ، إذ لم تجر العادة أن ينشأ الانسان بين قوم يشاهدون أحواله من عند صغره إلى كبره ، ويرونه في