الشيخ الطبرسي

318

تفسير مجمع البيان

عن الحسن ، وابن زيد . وقيل : يزفون زفيف النعام ، وهو حالة بين المشي والعدو ، عن مجاهد . وفي هذا دليل أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بأصنامهم ، فقصدوه مسرعين ، وحملوه إلى بيت أصنامهم ، وقالوا له : أنت فعلت هذا بآلهتنا ؟ فأجابهم على وجه الحجاج عليهم بأن ( قال أتعبدون ما تنحتون ) فهو استفهام معناه الانكار والتوبيخ أي : كيف يصح أن يعبد الانسان ما يعمله بيده ؟ فإنهم كانوا ينحتون الأصنام بأيديهم . ( والله خلقكم وما تعملون ) أي : وخلق ما عملتم من الأصنام ، فكيف تدعون عبادته ، وتعبدون معمولكم ؟ وهذا كما يقال : فلان يعمل الحصير ، وهذا الباب من عمل فلان النجار . قال الحسن : معناه وخلق أصل الحجارة التي تعملون منها الأصنام . وهذا يجري مجرى قوله : ( تلقف ما يأفكون ) ، وقوله . ( تلقف ما صنعوا ) في أنه أراد المنحوت من الجسم هنا دون العرض الذي هو النحت ، كما أراد هناك المأفوك فيه ، والمصنوع فيه ، من الحبال والعصي ، دون العرض الذي هو فعلهم . فليس لأهل الجبر تعلق بهذه الآية في الدلالة على أن الله سبحانه خالق لأفعال العباد ، لان من المعلوم أن الكفار لم يعبدوا نحتهم الذي هو فعلهم ، وإنما كانوا يعبدن الأصنام التي هي الأجسام وقوله . ( ما تنحتون ) هو ما يعملون في المعنى . على أن مبنى الآية على التقريع للكفار والإزراء عليهم بقبيح فعلهم ، ولو كان معناه والله خلقكم وخلق عبادتكم ، لكانت الآية إلى أن تكون عذرا لهم ، أقرب من أن تكون لوما وتهجينا ، ولكان لهم أن يقولوا : ولم توبخنا على عبادتها ، والله تعالى هو الفاعل لذلك ؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم ، ولأنه قد أضاف العمل إليهم بقوله ( تعملون ) فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى ؟ وهذا تناقض . ولما لزمتهم الحجة ( قالوا ابنوا له بنيانا ) قال ابن عباس : بنوا حائطا من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا ، وعرضه عشرون ذراعا ، وملأوه نارا ، وطرحوه فيها ، وذلك قوله ( فألقوه في الجحيم ) قال الزجاج : كل نار بعضها فوق بعض ، فهي جحيم . وقيل إن الجحيم : النار العظيمة . ( فأرادوا به كيدا ) أي : حيلة وتدبيرا في إهلاكه وإحراقه بالنار . ( فجعلناهم الأسفلين ) بان أهلكناهم ، ونجينا إبراهيم ، وسلمناه ، ورددنا كيدهم عنه . وقيل : بأن أشرفوا عليه ، فرأوه سالما ، وتحققوا أن كيدهم لا ينفذ فيه ، وعلموا أنهم مغلوبون .