الشيخ الطبرسي

316

تفسير مجمع البيان

أن يصنع بكم مع عبادتكم غيره . وقيل : معناه كيف تظنون برب تأكلون رزقه ، وتعبدون غيره . وقيل : معناه ما تظنون بربكم أنه على أي صفة ، ومن أي جنس من أجناس الأشياء ، حين شبهتم به هذه الأصنام ؟ وفيه إشارة إلى أنه لا يشبه شيئا . ( فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ) اختلف في معناه على أقوال أحدها : إنه عليه السلام نظر في النجوم ، فاستدل بها على وقت حمى كانت تعتاده ، فقال : إني سقيم ، أراد أنه قد حضر وقت علته ، وزمان نوبتها ، فكأنه قال : إني سأسقم لا محالة ، وحان الوقت الذي تعتريني فيه الحمى . وقد يسمى المشارف للشئ باسم الداخل فيه ، قال الله تعالى : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ولم يكن نظره في النجوم على حسب ما ينظره المنجمون ، طلبا للاحكام ، ومثله قول الشاعر : إسهري ما سهرت أم حكيم ، * واقعدي مرة لذاك ، وقومي وافتحي الباب ، وانظري في النجوم ، * كم علينا من قطع ليل بهيم وثانيها . إنه نظر في النجوم كنظرهم ، لأنهم كانوا يتعاطون علم النجوم ، فأوهمهم أنه يقول بمثل قولهم ، فقال عند ذلك . إني سقيم ، فتركوه ظنا منهم أن نجمه يدل على سقمه . ويجوز أن يكون الله تعالى أعلمه بالوحي أنه سيسقمه في وقت مستقبل ، وجعل العلامة على ذلك إما طلوع نجم على وجه مخصوص ، أو اتصاله بآخر على وجه مخصوص . فلما رأى إبراهيم تلك الإمارة قال : إني سقيم ، تصديقا بما أخبره الله تعالى . وثالثها : إن معناه نظر في النجوم نظر تفكر ، فاستدل بها كما قصه الله تعالى في سورة الأنعام على كونها محدثة غير قديمة ، ولا آلهة ، وأشار بقوله ( إني سقيم ) على أنه في حال مهلة النظر ، وليس على يقين من الأمر ، ولا شفاء من العلم . وقد يسمى الشك بأنه سقم ، كما يسمى العلم بأنه شفاء . وإنما زال عنه هذا السقم عند زوال الشك ، وكمال المعرفة ، عن أبي مسلم . وهذا الوجه ضعيف ، لان سياق الآية يمنع منه ، فإن قوله ( إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون ) إلى هذا الموضع من قصته ، يبين أنه عليه السلام لم يكن في زمان مهلة النظر ، وأنه كان كامل المعرفة ، خالص اليقين والبصيرة . ورابعها : إن معنى قوله ( إني سقيم ) : إني سقيم القلب ، أو الرأي ، حزنا من إصرار القوم على عبادة الأصنام ، وهي لا تسمع ولا تبصر ، ويكون على هذا معنى نظره في النجوم : فكرته في أنها محدثة ، مخلوقة ،