الشيخ الطبرسي

305

تفسير مجمع البيان

المستأنفة في كل وقت ، شيئا معلوما مقدرا . ثم فسر ذلك الرزق بأن قال : ( فواكه ) وهي جمع فاكهة يقع على الرطب واليابس من الثمار كلها ، يتفكهون بها ، ويتنعمون بالتصرف فيها ( وهم مكرمون ) مع ذلك أي : معظمون مبجلون ، وضد الإكرام الإهانة ( في جنات النعيم ) أي : وهم مع ذلك في بساتين فيها أنواع النعيم يتنعمون بها ( على سرر ) وهي جمع سرير ( متقابلين ) يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض ، ولا يرى بعضهم قفا بعض . ( يطاف عليهم بكأس ) وهو الإناء بما فيه من الشراب ( من معين ) أي . من خمر جارية في أنهار ظاهرة العيون ، عن الحسن ، وقتادة ، والضحاك ، والسدي . وقيل : شديد الجري . ثم وصف الخمر فقال : ( بيضاء ) وصفها بالبياض لأنها في نهاية الرقة مع الصفاء واللطافة النورية التي لها . قال الحسن . خمر الجنة أشد بياضا من اللبن ، وذكر أن قراءة ابن مسعود صفراء ، فيحتمل أن يكون بيضاء الكأس ، صفراء اللون . ( لذة ) أي لذيذة ( للشاربين ) ليس فيها ما يعتري خمر الدنيا من المرارة والكراهة . ( لا فيها غول ) أي : لا تغتال عقولهم ، فتذهب بها ، ولا يصيبهم منها وجع في البطن ، ولا في الرأس . ويقال للوجع غول ، لأنه يؤدي إلى الهلاك . ( ولا هم عنها ينزفون ) أي : يسكرون ولا ينزفون ، لا يفنى خمرهم . وتحمل هذه القراءة على هذا لزيادة الفائدة . وعلى القراءة الأولى فيحمل الغول على الصداع ، والوجع ، وأذى الخمار . قال ابن عباس : معناه ولا يبولون . قال : وفي الخمر أربع خصال : السكر ، والصداع ، والقئ ، والبول . فنزه الله سبحانه خمر الجنة ، عن هذه الخصا ل . ( وعندهم قاصرات الطرف ) قصرن طرفهن على أزواجهن ، فلا يردن غيرهن لحبهن إياهم . وقيل : معناه لا يفتحن أعينهن دلالة وغنجا . ( عين ) أي : واسعات العيون ، والواحدة عيناء . وقيل : هي الشديدة بياض العين ، الشديدة سوادها ، عن الحسن . ( كأنهن بيض مكنون ) شبههن ببيض النعام ، مكنة بالريش من الغبار والريح ، عن الحسن وابن زيد . وفي معناه قول امرئ القيس : كبكر المقاناة البياض بصفرة ، * غذاها نمير الفاء غير محلل ( 1 )

--> ( 1 ) هذا البيت من معلقته المعروفة . والبكر من كل صنف : ما لم يسبقه مثله . والمراد هنا : بيض النعام ، وإضافته إلى المقاناة من قبيل قوله تعالى ( وللدار الآخرة ) والمقاناة : المخالطة . والنمير : الماء النامي في الجسد . وقيل : العذب من الماء . وغير محلل أي : غير يسير ، أو من قولهم : مكان محلل : إذا أكثر الناس به الحلول أي : لم يكثر حلوت الناس عليه فيكدره ذلك ، يصف معشوقته عنيزة ، وشبه لونها ببيض نعام تشوب بياضها صفرة . وفي قوله : " البياض " تجوز الحركات الثلاث ، وذكروا للبيت معان اخر ذكرها الزوزني في ( شرح المعلقات ) فراجع .