الشيخ الطبرسي
278
تفسير مجمع البيان
( وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) أي : وخلقنا لهم من مثل سفينة نوح سفنا ، يركبون فيها كما ركب نوح ، يعني السفن التي عملت بعد سفينة نوح مثلها على صورتها وهيئتها ، عن ابن عباس وغيره . وقيل : إن المراد به الإبل وهي سفن البر ، عن مجاهد . وقيل : مثل السفينة من الدواب كالإبل ، والبقر ، والحمير ، عن الجبائي . ( وإن نشأ نغرقهم ) أي : وإن نشأ إذا حملناهم في السفن ، نغرقهم بتهييج الرياح ، والأمواج . ( فلا صريخ لهم ) أي : لا مغيث لهم ( ولا هم ينقذون ) أي : ولا يخلصون من الغرق إذا أردناه . ( إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين ) أي : إلا أن نرحمهم بأن نخلصهم في الحال من أهوال البحر ، ونمتعهم إلى وقت ما قدرناه ، لتقضى آجالهم . وقيل : معناه بقيناهم نعمة منا عليهم ، وإمتاعا إلى مدة ( وإذا قيل لهم ) أي : للمشركين ( اتقوا ما بين أيديكم ) من أمر الآخرة ، فاعملوا لها ( وما خلفكم ) من أمر الدنيا فاحذروها ، ولا تغتروا بها ( لعلكم ترحمون ) أي : لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى ، عن ابن عباس . وقيل : معناه اتقوا ما مضى من الذنوب ، وما يأتي من الذنوب ، عن مجاهد أي : اتقوا عذاب الله بالتوبة للماضي ، والاجتناب للمستقبل . وقيل : اتقوا العذاب المنزل على الأمم الماضية ، وما خلفكم من عذاب الآخرة ، عن قتادة . وروى الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : معناه اتقوا ما بين أيديكم من الذنوب ، وما خلفكم من العقوبة . وجواب إذا محذوف تقديره : إذا قيل لهم هذا أعرضوا . ويدل على هذا المحذوف ، قوله : ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ) أي : أعرضوا عن الداعي ، وعن التفكر في الحجج ، وفي المعجزات ، و ( من ) في قوله ( من آية ) : هي التي تزاد في النفي للاستغراق . و ( من ) الثانية . للتبعيض ، أي : ليس تأتيهم آية ، أية آية كانت ، إلا ذهبوا عنها ، وأعرضوا عن النظر فيها ، وذلك سبيل من ضل عن الهدى ، وخسر الدنيا والآخرة . ( وإذا قيل لهم ) أيضا ( أنفقوا مما رزقكم الله ) في طاعته ، وأخرجوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم . ( قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) احتجوا في منع الحقوق بأن قالوا : كيف نطعم من يقدر الله على إطعامه ، ولو شاء الله إطعامه أطعمه ، فإذا لم يطعم دل على أنه لم يشأ إطعامه . وذهب عليهم أن الله سبحانه إنما تعبدهم بذلك لما لهم فيه من المصلحة . فأمر الغني بالإنفاق على