الشيخ الطبرسي

202

تفسير مجمع البيان

( يعملون له ما يشاء من محاريب ) وهي بيوت الشريعة . وقيل : هي القصور والمساجد يتعبد فيها ، عن قتادة ، والجبائي قال : وكان مما عملوه بيت المقدس ، وقد كان الله عز وجل سلط على بني إسرائيل الطاعون ، فهلك خلق كثير في يوم واحد ، فامرهم داود أن يغتسلوا ، ويبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين ، ويتضرعون إلى الله لعله يرحمهم ، وذلك صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد . وارتفع داود فوق الصخرة ، فخر ساجدا يبتهل إلى الله سبحانه ، وسجدوا معه فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون . فلما أن شفع الله داود في بني إسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث ، وقال لهم : إن الله تعالى قد من عليكم ، ورحمكم ، فجددوا له شكرا بان تتخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجدا . ففعلوا وأخذوا في بناء بيت المقدس ، وكان داود ينقل الحجارة لهم على عاتقه ، وكذلك خيار بني إسرائيل ، حتى رفعوه قامة ، ولداود يومئذ سبع وعشرون ومائة سنة . فأوحى الله إلى داود أن تمام بنائه يكون على يدي ابنه سليمان . فلما صار داود ابن أربعين ومائة سنة ، توفاه الله ، واستخلف سليمان ، فأحب إتمام بيت المقدس ، فجمع الجن والشياطين ، وقسم عليهم الأعمال ، يخص كل طائفة منهم بعمل . فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها ( 1 ) الأبيض الصافي من معادنه ، وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفاح ( 2 ) ، وجعلها اثني عشر ربضا ( 3 ) ، وأنزل كل ، ربض منها سبطا من الأسباط . ولما فرغ من بناء المدينة ، ابتدأ في بناء المسجد ، فوجه الشياطين فرقا : فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها ، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها ، وفرقة يأتون بالمسك ، والعنبر ، وسائر الطيب ، وفرقة يأتون بالدر من البحار . فأوتي من ذلك بشئ لا يحصيه إلا الله تعالى . ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الأحجار حتى صيروها ألواحا ، ومعالجة تلك الجواهر واللآلئ .

--> ( 1 ) المها جمع المهاة . البلور . ( 2 ) الصفاح : الحجارة العريضة الرقيقة . ( 3 ) الربض : سور المدينة . الناحية . كل ما يؤوى إليه ، ويستراح لديه ، من مال وبيت ونحوه .