الشيخ الطبرسي

200

تفسير مجمع البيان

وقوله : ( فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير ) والمعنى : فلما خر انكشف للإنس أمر الجن من جهلهم بالغيب ، وذلك لأن الجن ما ادعوا علم الغيب ، وإنما اعتقد الإنس فيهم أنهم يعلمون الغيب ، فأبطل الله عقيدتهم فيهم بموت سليمان . المعنى . لما تقدم ذكر عباد الله المنيبين إليه ، وصله سبحانه بذكر داود وسليمان ، فقال . ( ولقد آتينا داود منا فضلا ) معناه : ولقد أعطينا داود من عندنا نعمة وإحسانا أي : فضلناه على غيره بما أعطيناه من النبوة ، والكتاب ، وفصل الخطاب ، والمعجزات . ثم فصل سبحانه ما أعطاه ، فقال : ( يا جبال أوبي معه والطير ) أي : قلنا للجبال . يا جبال سبحي معه إذا سبح ، عن ابن عباس والحسن وقتادة ، ومجاهد ، قالوا . أمر الله الجبال أن تسبح معه إذا سبح ، فسبحت معه ، وتأوله عند أهل اللغة : رجعي معه التسبيح ، من آب يؤوب . ويجوز أن يكون سبحانه فعل في الجبال ما يأتي به منها التسبيح معجزا له . وأما الطير فيجوز أن يسبح ، ويحصل له من التمييز ما يتأتى منه ذلك ، بأن يزيد الله في فطنته ، فيفهم ذلك . وقيل . معناه سيري معه ، فكانت الجبال والطير تسير معه أينما سار ، وكان ذلك معجزا له ، عن الجبائي . والتأويب . السير بالنهار . وقيل . معناه ارجعي إلى مراد داود فيما يريده من حفر بئر ، واستنباط عين ، واستخراج معدن ، ووضع طريق . ( وألنا له الحديد ) فصار في يده كالشمع ، يعمل به ما شاء من غير أن يدخله النار ، ولا أن يضربه بالمطرقة ، عن قتادة ( أن اعمل سابغات ) أي : قلنا له اعمل من الحديد دروعا تامات . وإنما ألان الله تعالى الحديد لداود ، لأنه أحب أن يأكل من كسب يده ، فالآن الحديد له ، وعلمه صنعة الدرع ، وكان أول من اتخذها ، وكان يبيعها ويأكل من ثمنها ، ويطعم عياله ، ويتصدق منه . وروي عن الصادق عليه السلام قال : إن الله أوحى إلى داود عليه السلام : نعم العبد أنت إلا أنك تأكل من بيت المال ! فبكى داود أربعين صباحا ، فالآن الله له الحديد ، وكان يعمل كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم ، فعمل ثلاثمائة وستين درعا ، فباعها بثلاثمائة وستين ألفا ، فاستغنى عن بيت المال . ( وقدر في السرد ) أي . عدل في نسج الدروع ، ومنه قيل لصانعها : سراد وزراد ، والمعنى : لا تجعل المسامير دقاقا ، فتفلق ، ولا غلاظا فتكسر الحلق .