الشيخ الطبرسي

192

تفسير مجمع البيان

المستحق للحمد على أفعاله الحسنى في الدارين ، لكونه منعما فيهما ، والآخرة وإن كانت ليست بدار تكليف ، فلا يسقط فيها الحمد ، والاعتراف بنعم الله تعالى ، بل العباد ملجأون إلى ذلك ، لمعرفتهم الضرورية بنعم الله عليهم من الثواب ، والعوض ، وضروب التفضل . ومن حمد أهل الجنة قولهم : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) ، و ( الحمد لله الذي صد قنا وعده ) . وقيل : إنما يحمد أهل الجنة ، لا على جهة التعبد ، لكن على جهة السرور والتلذذ بالحمد ، ولا يكون بالحمد عليهم فيه تعب ، ولا مشقة . وقيل : يحمده أهل الجنة على نعمه وفضله ، ويحمد ه أهل النار على عدله . ( وهو الحكيم ) في جميع أفعاله لأنها كلها واقعة على وجه الحكمة ( الخبير ) بجميع المعلومات ( يعلم ما يلج في الأرض ) أي : ما يدخل فيها من مطر ، وكنز ، أو ميت ( وما يخرج منها ) من زرع ، ونبات ، أو جواهر ، أو حيوان . ( وما ينزل من السماء ) من مطر ، أو رزق ، أو ملك . ( وما يعرج ) أي : يصعد ( فيها ) من الملائكة ، واعمال العباد ، فهو يجري جميع ذلك على تقدير تقتضيه الحكمة ، وتد بير توجبه المصلحة . ( وهو الرحيم ) بعباده مع علمه بما يعملون من المعاصي ، فلا يعاجلهم بالعقوبة ، ويمهلهم للتوبة ( الغفور ) أي : الساتر عليهم ذنوبهم في الدنيا ، المتجاوز عنها في العقبى ، كما قال : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . ( وقال الذين كفروا ) يعني : منكري البعث والنشور . ( لا تأتينا الساعة ) يعني القيامة ( قل ) لهم يا محمد ( بلى وربي ) أي : وحق الله ربي الذي خلقني ، وأوجد ني ( لتأتينكم ) القيامة ( عالم الغيب ) يعمل كل شئ يغيب عن العباد علمه ( لا يعزب عنه ) أي : لا يفوته ( مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) بل هو عالم بجميع ذلك ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) يعني اللوح المحفوظ . وقد مضى هذا مفسرا في سورة يونس . كذب الله سبحانه في هذه الآية الكفار الجاحدة للبعث ، وبين أن القيامة آتية كائنة لا محالة ، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بان يحلف على ذلك تأكيدا له . ثم مدح نفسه بأنه يعلم ما غاب عن العباد علمه ، مما هو كائن ، أو سيكون ، ولم يوجد بعد . ثم قال : ( ليجزي الذين أمنوا وعملوا الصالحات ) أي : إنما أثبت ذلك في الكتاب المبين ، ليكافؤهم بما يستحقونه من الثواب على صالح أعمالهم . ( أولئك