الشيخ الطبرسي
18
تفسير مجمع البيان
الدنيا ، ولا ذكر في واحد من الظرفين ، كما أنك إذا قلت : لقيت زيدا اليوم في السوق ، كان كذلك . فإن جعلت الظرف الأول صفة للنكرة ، كان متعلقا بمحذوف ، وصار فيه ذكر يعود إلى الموصوف . فإذا جعلته صفة للمصدر جاز أن يكون قوله ( في الحياة الدنيا ) في موضع حال ، والعامل فيه الظرف الذي هو صفة للنكرة ، وفيه ذكر يعود إلى ذي الحال . وذو الحال الضمير الذي في الظرف العائد إلى الموصوف الذي هو ( مودة ) وهو هي في المعنى . فإن قلت : هل يجوز أن يتعلق الظرف الذي قد جاز أن يكون حالا بالمودة ، مع أنه قد وصف بقوله ( بينكم ) ؟ قيل : لا يمتنع ذلك ، لأنك إذا وصفته ، فمعنى الفعل قائم فيه ، والظرف يتعلق بمعنى الفعل . وإنما الذي يمتنع أن يعمل فيه ، إذا وصف المفعول به . فأما الحال والظرف فلا يمتنع أن يتعلق كل واحد منهما به ، وإن كان قد وصف به . وقد جاء في الشعر ما يعمل عمل الفعل إذا وصف عاملا في المفعول به ، وإذا جاز أن يعمل في المفعول به ، فلا نظر في جواز عمله فيما ذكرناه من الظرف والحال ، فمن ذلك قوله : إذا فاقد خطباء فرخين رجعت ، ذكرت سليمى في الخليط المباين والتحقير في ذلك بمنزلة الوصف لو قال : هذا ضويرب زيدا ، لقبح كما يقبح ذلك في الصفة ، ولم يجز ذلك في حال السعة والاختيار . المعنى : ثم ذكر سبحانه الوعد والوعيد ، فقال : ( يعذب من يشاء ) معناه أنه المالك للثواب والعقاب ، وإن كان لا يشاء إلا الحكمة والعدل ، وما هو الأحسن من الأفعال فيعذب من يشاء ممن يستحق العقاب ( ويرحم من يشاء ) ممن هو مستحق للرحمة ، بأن يغفر له بالتوبة وغير التوبة ( وإليه تقلبون ) معاشر الخلق أي : إليه ترجعون يوم القيامة . والقلب هو الرجوع والرد ، فمعناه : إنكم تردون إلى حال الحياة في الآخرة ، حيث لا يملك فيه النفع والضر إلا الله . وهذا يتعلق بما قبله ، كأن المنكرين للبعث قالوا : إذا كان العذاب غير كائن في الدنيا ، فلا نبالي به . فقال :
--> ( 1 ) البيت منسوب إلى بشر بن أبي حازم ، يقول : إذا رجعت الحمامة التي لونها الخطبة ، وهي لون كدر مشرب حمرة في صفرة ، في غنائها وصوتها ، حزنا لفقد ولديها ، ذكرت ( سليمى ) ( معشوقته ) في الأعداء . والشاهد في إعمال اسم الفاعل الموصوف - وهو فاقد - في فرخين .