الشيخ الطبرسي
177
تفسير مجمع البيان
إذن ، والامتناع عما يؤدي إلى أذاه وكراهيته . قالت عائشة : يحسب الثقلاء أن الله سبحانه لم يحتملهم فقال : ( فإذا طعمتم فانتشروا ) . وقال بعض العلماء . هذا أدب أدب الله به الثقلاء . ( وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ) يعني : فإذا سألتم أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا تحتاجون إليه ، فاسألوهن من وراء الستر . قال مقاتل : أمر الله المؤمنين ألا يكلموا نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من وراء حجاب . وروى مجاهد عن عائشة قالت : كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيسا في قعب ( 1 ) ، فمر بنا عمر ، فدعاه فأكل ، فأصابت إصبعه إصبعي ، فقال . ( حس ( 2 ) لو أطاع فيكن ما رأتكن عين ) فنزل الحجاب . ( ذلكم ) أي : سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب ( أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) من الريبة ومن خواطر الشيطان التي تدعو إلى ميل الرجال إلى النساء ، والنساء إلى الرجال . ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) أي : ليس لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمخالفة ما أمر به في نسائه ، ولا في شئ من الأشياء ( ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) أي : من بعد وفاته . المعنى : ولا يحل لكم أن تتزوجوا واحدة من نسائه بعد مماته ، كما لا يحل لكم أن تؤذوه في حال حياته . وقيل : من بعده أي : من بعد فراقه في حياته ، كما قال : ( بئسما خلفتموني من بعدي ) . ( إن ذلكم كان عند الله عظيما ) أي : إيذاء الرسول بما ذكرنا كان ذنبا عظيم الموقع عند الله تعالى . ( إن تبدوا شيئا أو تخفوه ) أي : تظهروا شيئا ، أو تضمروه مما نهيتم عنه من تزويجهن ( فإن الله كان بكل شئ عظيما ) من الظواهر والسرائر ، وهذا تهديد . وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته : إن تريدي أن تكوني زوجتي في الجنة ، فلا تتزوجي بعدي ، فإن المرأة لآخر أزواجها ، فلذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجن بعده . وروي عن النبي سئل عن المرأة تكون لها زوجان ، فتموت فتدخل الجنة ، فلأيهما تكون ؟ قال : لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا ، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة . ولما نزلت آية الحجاب قال : الآباء والأبناء والأقارب يا رسول الله ، ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب ؟ فأنزل الله تعالى قوله : ( لا جناح عليهن في
--> ( 1 ) مر معنى الحيس قريبا . والقعب : القدح الضخم الغليظ . ( 2 ) حس : كلمة يقولها الانسان عند التوجع مما أذاه مثل ( أوه ) .