الشيخ الطبرسي
11
تفسير مجمع البيان
إطاعة الوالدين في الواجبات حتما ، وفي المباحات ندبا . ونهى عن طاعتهما في المحظورات ، ونفى العلم به كأنه كناية عن تعريه من الأدلة ، لأنه إذا لم يكن عليه حجة ودليل لم يحصل العلم به فلا يحسن اعتقاده . ( إلي مرجعكم ) أي : إلى حكمي مصيركم ( فأنبئكم بما كنتم تعملون ) أي : أخبركم بأعمالكم فأجازيكم عليها . وروي عن سعد بن أبي وقاص قال : كنت رجلا برا بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد ! ما هذا الدين الذي أحدثت ، لتدعن دينك هذا ، أولا آكل ، ولا أشرب حتى أموت ، فتعير بي ، فيقال : يا قاتل أمه ! فقلت : لا تفعلي يا أمه ، إني لا أدع ديني هذا لشئ . قال : فمكثت يوما لا تأكل وليلة ، ثم مكثت يوما آخر وليلة ، فلما رأيت ذلك ، قلت : والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس ، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ، فكلي واشربي ، وإن شئت فلا تأكلي ، ولا تشربي ! فلما رأت ذلك أكلت ، فأنزلت هذه الآية : ( وإن جاهداك ) . وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس . وروي عن بهر بن أبي حكيم ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله ! من أبر ؟ قال : أمك . قلت : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قلت : ثم من ؟ قال : ثم أمك . قلت : ثم من ؟ قال ثم أباك . ثم الأقرب فالأقرب . وعن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( الجنة تحت أقدام الأمهات ) . ثم قال سبحانه : ( والذين آمنوا ) أي : صدقوا بوحدانية الله تعالى ، وإخلاص العبادة له ( وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين ) أي : في زمرتهم وجملتهم في الجنة . ولما ذكر سبحانه خيار المؤمنين ، عقبه بذكر ضعفائهم . وقيل : بل عقبه بذكر المنافقين فقال : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) بلسانه ( فإذا أوذي في الله ) أي : في دين الله ، أو في ذات الله ( جعل فتنة الناس كعذاب الله ) والمعنى فإذا أوذي بسبب دين الله ، رجع عن الدين مخافة عذاب الناس ، كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله ، فيسوي بين عذاب فان منقطع ، وبين عذاب دائم غير منقطع أبدا ، لقلة تمييزه . وسمى أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة . ( ولئن جاء نصر من ربك ) يا محمد أي . ولئن جاء نصر من الله للمؤمنين ، ودولة لأولياء الله على الكافرين . ( ليقولن إنا كنا معكم ) أي : ليقولن هؤلاء المنافقون للمؤمنين : إنا كنا معكم على عدوكم طمعا في الغنيمة . ثم كذبهم الله فقال : ( أوليس الله بأعلم بما