الشيخ الطبرسي

109

تفسير مجمع البيان

وثالثها . إنه جعل ذلك في مقابلة صلاة الليل ، وهي خفية ، فكذلك ما بإزائها من جزائها ، ويؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : ما من حسنة إلا ولها ثواب مبين في القرآن ، إلا صلاة الليل ، فإن الله ، عز اسمه ، لم يبين ثوابها ، لعظم خطرها ، قال : ( فلا تعلم نفس ) الآية . وقرة العين : رؤية ما تقر به العين ، يقال : أقر الله عينك أي : صادف فؤادك ما يرضيك ، فتقر عينك حتى لا تطمح بالنظر إلى ما فوقه . وقيل : هي من القر أي : البرد لأن المستبشر الضاحك يخرج من شؤون عينيه دمع بارد ، والمحزون المهموم يخرج من عينيه دمع حار ، ومنه قولهم : سخنت عينه ، وهو قرير العين ، وسخين العين . وإنما أضاف القرة إلى الأعين على الإطلاق ، لا إلى أعينهم تنبيها على أنها غاية في الحسن والكمال ، فتقر بها كل عين . ( جزاء بما كانوا يعملون ) من الطاعات في دار الدنيا ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ) هذا استفهام يراد به التقرير أي : أيكون من هو مصدق بالله على الحقيقة ، عارفا بالله وبأنبيائه ، عاملا بما أوجبه الله عليه ، وندبه إليه ، مثل من هو فاسق ، خارج عن طاعة الله ، مرتكب لمعاصي الله . ثم قال : ( لا يستوون ) لأن منزلة المؤمن درجات الجنان ، ومنزلة الفاسق دركات النيران . ثم فسر ذلك بقوله : ( أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى ) يأوون إليها ( نزلا بما كانوا يعملون ) أي : عطاء بما كانوا يعملون ، عن الحسن . وقيل : ينزلهم الله فيها نزلا كما ينزل الضيف يعني أنهم في حكم الأضياف . ( وأما الذين فسقوا فمأواهم ) الذي يأوون إليه ( النار ) نعوذ بالله منها ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) أي : كلما هموا بالخروج منها لما يلحقهم من ألم العذاب ( أعيدوا ) أي : ردوا ( فيها ) وقد مر بيانه في سورة الحج . ( وقيل لهم ) مع ذلك ( ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ) أي : لا تصدقون به ، وتجحدونه . وفي هذا دلالة على أن المراد بالفاسق هنا الكافر المكذب . قال ابن أبي ليلى : نزل قوله ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ) الآيات . في علي بن أبي طالب عليه السلام ، ورجل من قريش . وقال غيره : نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، والوليد بن عقبة . فالمؤمن : علي ، والفاسق : الوليد . وذلك أنه قال لعلي عليه السلام : أنا أبسط منك لسانا ، وأحد منك سنانا . فقال علي عليه السلام : ليس كما