الشيخ الطبرسي
453
تفسير مجمع البيان
( فأما من تاب ) أي : رجع عن المعاصي والكفر . ( وآمن وعمل صالحا ) أي : وأضاف إلى إيمانه الأعمال الصالحة . ( فعسى أن يكون من المفلحين ) وإنما أتى بلفظة ( عسى ) مع أنه مقطوع بفلاحه ، لأنه على رجاء أن يدوم على ذلك ، فيفلح . وقد يجوز أن يزل فيما بعد ، فيهلك . على أنه قد قيل : إن ( عسى ) من الله سبحانه لفظة وجوب في جميع القرآن . ولما كان المفلح مختار الله تعالى ، ذكر عقيبه أن الاختيار إلى الله تعالى ، والخلق والحكم له ، لكونه قادرا عالما على الكمال . فقال : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) الخيرة : اسم من الاختيار ، أقيم مقام المصدر . والخيرة : اسم للمختار أيضا . يقال : محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيرة الله من خلقه . ويجوز التخفيف فيهما . واختلف في الآية ، وتقديرها على قولين أحدهما : إن معناه ( وربك يخلق ما يشاء ) من الخلق ، ( ويختار ) تدبير عباده ، على ما هو الأصلح لهم ، ويختار للرسالة ما هو الأصلح لعباده . ثم قال ( ما كان لهم الخيرة ) أي : ليس لهم الاختيار على الله ، بل لله الخيرة عليهم . وعلى هذا تكون ( ما ) نفيا ، ويكون الوقف على قوله ( ويختار ) . وفيه رد على المشركين الذين قالوا ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) فاختاروا الوليد بن المغيرة من مكة ، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف . والآخر : أن يكون ( ما ) في الآية بمعنى الذي أي : ويختار الذي كان لهم الخيرة فيه . فيكون الوقف على هذا عند قوله ( ما كان لهم الخيرة ) . وهذا أيضا في معنى الأول ، لأن حقيقة المعنى فيهما أنه سبحانه يختار ، وإليه الاختيار ليس لمن دونه الاختيار ، لأن الاختيار يجب أن يكون على العلم بأحوال المختار ، ولا يعلم غيره سبحانه جميع أحوال المختار ، ولأن الاختيار هو أخذ الخير . وكيف يأخذ الخير من الأشياء من لا يعلم الخير فيها . ( سبحان الله وتعالى عما يشركون ) أي : تقدس وتنزه عن أن يكون له شريك في خلقه واختياره . ثم أقام أم سبحانه البرهان على صحة اختياره بقوله : ( وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ) أي : وربك يعلم ما يخفونه ، وما يظهرونه ، فإليه الاختيار . وفي هذا دلالة على أن من لا يعلم السر والجهر ، فلا اختيار إليه . ثم أكد سبحانه ذلك بقوله : ( وهو الله لا إله إلا هو ) لا يستحق العبادة سواه ( له الحمد في الأولى والآخرة ) أي : له الثناء والمدح والتعظيم ، على ما أنعم به على خلقه في