الشيخ الطبرسي

398

تفسير مجمع البيان

بالاستفهام فيهما جميعا بهمزتين ، همزتين . وقرأ ابن كثير : ( في ضيق ) بكسر الضاد . والباقون بفتحها . الحجة : قال أبو علي : إن علم قد يصل بالجار كقوله تعالى : ( ألم يعلم بأن الله يرى ) وقولهم : علمي بزيد يوم الجمعة . ومعنى أدرك : بلغ ولحق ، يقال : فلان أدرك الحسن أي : لحق أيامه . وهذا ما أدركه علمي أي : بلغه . فالمعنى أنهم لم يدركوا علم الآخرة أي : لم يعلموا حدوثها وكونها . ودل على ذلك قوله : ( بل هم في شك منها بل هم منها عمون ) أي : بل هم من علمها عمون . وإذا كان كذلك ، كان معنى قوله ( في الآخرة ) معنى الباء أي : لم يدركوا علمها ، ولم ينظروا في حقيقتها ، فيدركوا . ولهذا قرأ من قرأ ( أدرك ) كأنه أراد لم يدركوه ، كما تقول : أجئتني أمس أي : لم تجئني . والمعنى : لم يدرك علمهم بحدوث الآخرة ، بل هم في شك منها ، بل هم من علمها عمون . والعمى عن علم الشئ أبعد منه من الشاك فيه ، لأن الشك قد يعرض عن ضرب من النظر . والعمى عن الشئ : الذي لم يدرك منه شيئا . وأما من قال ( إدارك ) فإنه أراد تدارك ، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها ، وكونها من حيزها . فلما سكتت التاء للإدغام اجتلبت لها همزة الوصل ، كما اجتلبتها في نحو ( ادارأتم ) . وفي التنزيل ( حتى إذا اداركوا فيها ) كان معناها تلاحقوا . قال : ( تداركتم الاحلاف قد ثل عرشها ) ( 1 ) . وما روي عن أبي بكر ( بل أدرك ) معناه : افتعل من أدركت . وافتعل وتفاعل يجيئان بمعنى . ومن ثم صح قولهم ازدوجوا ، وإن كان الحرف على صورة يجب فيها الانقلاب ، ولكنه صح لما كان بمعنى تفاعلوا . وتفاعلوا يلزم فيه تصحيح حروف العلة ، لسكون الحرف الذي قبل حرف العلة . فصار تصحيح هذا كتصحيح عور وحول . لما كان بمعنى أعور واحول . ومن قرأ ( بل درك ) : فإنه خفف الهمزة بحذفها ، وإلقاء حركتها على اللام .

--> ( 1 ) هذا صدر بيت لزهير ، وعجزه : " وذبيان قد زلت بأقدامها النعل ) . ومراده من الأحلاف هم قبيلتا أسد وغطفان ، لأنهم تحالفوا على التناصر . وقوله : " وذبيان " عطف على الأحلاف . وثل عرشه أي : تضعضعت حاله