الشيخ الطبرسي
363
تفسير مجمع البيان
القرآن ، فهو كقوله ( إنه لحق اليقين ) . والقرآن والكتاب معناهما واحد ، وصفه بالصفتين ليفيد أنه مما يظهر بالقراءة ، ويظهر بالكتابة ، وهو بمنزلة الناطق بما فيه من الأمرين جميعا ، ووصفه بأنه ( مبين ) تشبيه له بالناطق بكذا ، ومعناه : إن الله بين فيه أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده . وإذا وصفه بأنه بيان ، فإنه يجري مجرى وصفه له بالنطق بهذه الأشياء في ظهور المعني به للنفس . والبيان هو الدلالة التي تبين بها الأشياء . والمبين : المظهر . ( هدى وبشرى للمؤمنين ) أي : هدى من الضلالة إلى الحق بالبيان الذي فيه ، والبرهان ، وباللطف فيه من جهة الإعجاز الدال على صحة أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبشرى للمؤمنين بالجنة والثواب . ويجوز أن يكون في موضع نصب على أن يكون تقديره : هاديا ومبشرا . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، والتقدير : هو هدى وبشرى . ثم وصف المؤمنين فقال : ( الذين يقيمون الصلاة ) بحدودها وواجباتها ، ويداومون على أوقاتها . ( ويؤتون الزكاة ) أي : ويخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم إلى من يستحقها ( وهم بالآخرة ) أي بالنشأة الآخرة والبعث والجزاء ( هم يوقنون ) لا يشكون فيه . ثم وصف من خالفهم ، فقال : ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) اختلف في معناه فقيل : إن المعنى زينا لهم أعمالهم التي أمرناهم بها بأحسن وجوه التزيين والترغيب ، فهم يتحيرون بالذهاب عنها ، عن الحسن ، والجبائي ، وأبي مسلم . وقيل : زينا لهم أعمالهم بأن خلقنا فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إلى فعل المعاصي ، ليجتنبوا المشتهى ، فهم يعمهون عن هذا المعنى ، ويترددون في الحيرة . وقيل : معناه حرمناهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم ، فتزينت أعمالهم في أعينهم ، وحليت في صدورهم . ( أولئك الذين لهم سوء العذاب ) أي : شدة العذاب وصعوبته ( وهم في الآخرة هم الأخسرون ) أي : لا أحد أخسر صفقة منهم ، لأنهم يخسرون الثواب ، ويحصل لهم بدلا منه العقاب . ( وإنك ) يا محمد ( لتلقى القرآن ) أي : لتعطى ( من لدن حكيم ) في أمره ( عليم ) بخلقه أي : من عند الله ، لأن الملك يلقيه من قبل الله سبحانه . وقيل : معناه لتلقن . قال علي بن عيسى : عليم بمعنى عالم ، إلا أن في عليم مبالغة ، فهو مثل سامع وسميع ، لأن في قولنا عالم يفيد أن له معلوما ، كما أن قولنا سامع يفيد أن