الشيخ الطبرسي

356

تفسير مجمع البيان

من غير تليين بالقول ، كما تدعو إليه مقاربة العشيرة . وإنما خصهم بالذكر تنبيها على أنه ينذر غيرهم ، وأنه لا يداهنهم لأجل القرابة ، ليقطع طمع الأجانب عن مداهنته في الدين . وقيل : إنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بأن يبدأ بهم في الإنذار والدعاء إلى الله ، ثم بالذين يلونهم ، كما قال : ( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ) ، لأن ذلك هو الذي يقتضيه حسن الترتيب . وقيل : إنه إنما خصهم ، لأنه يمكنه أن يجمعهم ، ثم ينذرهم ، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واشتهرت القصة بذلك عند الخاص والعام . وفي الخبر المأثور عن البراء بن عازب أنه قال : لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب ، وهم يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل المسنة ( 1 ) ، ويشرب العس ، فأمر عليا عليه السلام برجل شاة ، فأدمها ( 2 ) ثم قال : ادنوا بسم الله ، فدنا القوم عشرة ، عشرة ، فأكلوا حتى صدروا . ثم دعا بقعب ( 3 ) من لبن ، فجرع منه جرعة ، ثم قال لهم : اشربوا بسم الله . فشربوا حتى رووا . فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل . فسكت صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ، ولم يتكلم . ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بني عبد المطلب ! إني أنا النذير إليكم من الله ، عز وجل ، والبشير . فأسلموا وأطيعوني تهتدوا . ثم قال : من يؤاخيني ويؤازرني ، ويكون وليي ، ووصيي بعدي ، وخليفتي في أهلي ، ويقضي ديني ؟ فسكت القوم . فأعادها ثلاثا ، كل ذلك يسكت القوم ، ويقول علي عليه السلام : أنا . فقال في المرة الثالثة أنت . فقام القوم ، وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمر عليك . أورده الثعلبي في تفسيره . وروي عن أبي رافع هذه القصة ، وأنه جمعهم في الشعب ، فصنع لهم رجل شاة ، فأكلوا حتى تضلعوا ، وسقاهم عسا فشربوا كلهم حتى رووا . ثم قال : إن الله تعالى أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، وأنتم عشيرتي ورهطي . وإن الله لم يبعث نبيا إلا جعل من أهله أخا ، ووزيرا ، ووارثا ، ووصيا ، وخليفة في أهله ، فأيكم يقوم .

--> ( 1 ) وفي بعض الروايات : " الجذعة " ، وفي بعضها : " الجفرة " . وهي من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر ، وفصل عن أمه ، وأخذ في الرعي . والعس : القدح الكبير . ( 2 ) أدم الخبز . خلطه بالأدام . ( 3 ) القعب : القدح الضخم الغليظ