الشيخ الطبرسي
341
تفسير مجمع البيان
فتخافوا تلف أموالكم به ، وكل واحد من هذين المعنيين يقوي الداعي إلى قبول قول الغير ، ويبعد عن التهمة . ( قالوا أنؤمن لك ) أي : نصدقك فيما تقول ( واتبعك الأرذلون ) أي : وقد اتبعك سفلة الناس ، وأراذلهم ، وخساسهم ، عن قتادة . وقيل : يعنون المساكين الذين ليس لهم مال ، ولا عز ، عن عطا . وقيل : يعنون الحاكة والأساكفة ، عن الضحاك ، وعلقمة . والمعنى : إن أتباعك أراذلنا وفقراؤنا ، وأصحاب الأعمال الدنية ، والمهن الخسيسة ، فلو اتبعناك لصرنا مثلهم ، ومعدودين في جملتهم . وهذا جهل منهم لأنه ليس في إيمان الأرذلين به ما يوجب تكذيبه ، فإن الرذل إذا أطاع سلطانه ، استحق التقرب عنده دون الشريف العاصي . ( قال وما علمي بما كانوا يعملون ) أي : ما أعلم أعمالهم وصنائعهم ، ولم أكلف ذلك ، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الله ، وقد أجابوني إليه ( إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) أي : ليس حسابهم إلا على ربي الذي خلقني وخلقهم ، لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم . ( وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين ) أي : ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الذين تزعمون أنهم الأرذلون ، لأني لست إلا نذيرا مخوفا من معصية الله ، داعيا إلى طاعته ، مبينا لها . ( قالوا ) له عند ذلك : ( لئن لم تنته يا نوح ) أي : إن لم ترجع عما تقوله ، وتدعو إليه ( لتكونن من المرجومين ) بالحجارة ، عن قتادة . وقيل : من المرجومين بالشتم ، عن الضحاك . ( قال ) نوح ( رب إن قومي كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا ) أي : فاقض بيننا قضاء بالعذاب ، لأنه قال : ( ونجني ومن معي من المؤمنين ) أي : من ذلك العذاب ( فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ) أي : فخلصناه ومن معه من المؤمنين في السفينة المملوءة من الناس وغيرهم من الحيوانات . ( ثم أغرقنا بعد ) أي بعد نجاة نوح ، ومن معه ( الباقين ) أي : الخارجين عن السفينة ، الكافرين به ( إن في ذلك لآية ) واضحة على توحيد الله ( وما كان أكثرهم مؤمنين ) وليس هذا بتكرار ، وإنما كل واحد في قصة على حدة . فهذا ذكر آية في قصة نوح ، وما كان من شأنه ، بعد ذكر آية مما كان في قصة إبراهيم ، وذكر آية أخرى في قصة موسى وفرعون ، فبين أنه ذكر كلا من ذلك لما فيه من الآية الباهرة .