الشيخ الطبرسي

315

تفسير مجمع البيان

عزم على التوبة من المعاصي ، فإنه ينبغي أن يوجه توبته إلى الله بالقصد إلى طلب جزائه ورضائه عنه ، فإنه يرجع إلى الله فيكافيه . وقيل : معناه من تاب وعمل صالحا ، فقد انقطع إلى الله ، فاعرفوا ذلك له . فإن من انقطع إلى خدمة بعض الملوك ، فقد أحرز شرفا ، فكيف المنقطع إلى الله سبحانه . ثم عاد سبحانه إلى وصف عباده المخلصين ، فقال : ( والذين لا يشهدون الزور ) أي : لا يحضرون مجالس الباطل ، ويدخل فيه مجالس الغناء والفحش والخناء . وقيل : الزور الشرك ، عن الضحاك . قال الزجاج : الزور في اللغة : الكذب ، ولا كذب فوق الشرك بالله . وقيل : الزور أعياد أهل الذمة ، كالشعانين ( 1 ) وغيرها ، عن محمد بن سيرين . وقيل : هو الغناء ، عن مجاهد ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام وقيل : يعني شهادة الزور ، عن علي بن أبي طلحة . فيكون المراد أنهم لا يشهدون شهادة الزور . فحذف المضاف . وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ، ويسخم وجهه ، ويطوف به في السوق . وأصل الزور : تمويه الباطل بما يوهم أنه حق . ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) واللغو : المعاصي كلها ، أي : مروا به مر الكرماء الذين لا يرضون باللغو ، لأنهم يجلون عن الدخول فيه ، والاختلاط بأهله ، عن الحسن والكلبي . والتقدير : إذا مروا بأهل اللغو وذوي اللغو ، مروا منزهين أنفسهم ، معرضين عنهم ، فلم يجاروهم فيه ، ولم يخوضوا معهم في ذلك . فهذه صفة الكرام ، يقال : تكرم فلان عما يشينه . إذا تنزه ، وأكرم نفسه عنه . وقيل : مرورهم كراما هو أن يمروا بمن يسبهم فيصفحون عنه ، وبمن يستعين بهم على حق فيعينونه . وقيل : هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج ، كنوا عنه ، عن أبي جعفر عليه السلام ، ومجاهد . وأصل اللغو هو الفعل الذي لا فائدة فيه ، ولهذا يقال للكلمة التي لا تفيد لغو . وليس المراد به القبيح ، . فإن فعل الساهي والنائم لغو ، وليس بحسن ولا قبيح ، إلا ما يتعدى إلى الغير على الخلاف فيه . ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) أي : إذا وعظوا بالقرآن ، والأدلة التي نصبها الله لهم ، نظروا فيها ، وتفكروا في مقتضاها ، ولم يقعوا عليها صما ، كأنهم لم يسمعوها ، وعميانا كأنهم لهم يروها ، لكنهم سمعوها .

--> ( 1 ) الشعانين : عيد معروف للنصارى قبل عيدهم الكبير بأسبوع ، كما قاله ابن الأثير في ( النهاية )