الشيخ الطبرسي

266

تفسير مجمع البيان

العرب والعجم ، فيجعلهم سكانها وملوكها ( كما استخلف الذين من قبلهم ) قال مقاتل : يعني بني إسرائيل ! . إذ أهلك الله الجبابرة بمصر ، وأورثهم أرضهم ، وديارهم ، وأموالهم . وعن أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة ، وآوتهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ، ولا يصبحون إلا فيه . فقالوا : ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين ، لا نخاف إلا الله ؟ فنزلت هذه الآية . وعن المقداد بن الأسود ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " لا يبقى على الأرض بيت مدر ، ولا وبر ، إلا أدخله الله تعالى كلمة الاسلام ، بعز عزيز ، أو ذل ذليل ، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها ، وإما أن يذلهم فيدينون لها " . وقيل : إنه أراد بالأرض أرض مكة ، لأن المهاجرين كانوا يسألون ذلك . ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) يعني دين الاسلام الذي أمرهم أن يدينوا به ، وتمكينه أن يظهره على الدين كله ، كما قال : " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " . وقيل : تمكينه بإعزاز أهله وإذلال أهل الشرك ، وتمكين أهله من إظهاره بعد أن كانوا يخفونه . ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) أي : وليصيرنهم بعد أن كانوا خائفين بمكة ، آمنين بقوة الاسلام وانبساطه . قال مقاتل : وقد فعل الله ذلك بهم ، وبمن كان بعدهم من هذه الأمة : مكن لهم في الأرض ، وأبدلهم أمنا من بعد خوف ، وبسط لهم في الأرض ، فقد أنجز وعده لهم . وقيل : معناه وليبدلنهم من بعد خوفهم في الدنيا أمنا في الآخرة ، ويعضده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حاكيا عن الله سبحانه : إني لا أجمع على عبد واحد بين خوفين ، ولا بين أمنين : إن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة ، وإن أمنني في الدنيا ، خوفته في الآخرة . ( يعبدونني لا يشركون بي شيئا ) هذا استئناف كلام في الثناء عليهم ، ومعناه : لا يخافون غيري ، عن ابن عباس . وقيل : معناه لا يراؤون بعبادتي أحدا . وفي الآية دلالة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من جهة الإخبار عن غيب لا يعلم إلا بوحي من الله عز وجل . ( ومن كفر بعد ذلك ) أي : بعد هذه النعم ( فأولئك هم الفاسقون ) ذكر الفسق بعد الكفر ، مع أن الكفر أعظم من الفسق ، لأن الفسق في كل شئ هو الخروج إلى أكثره . فالمعنى : أولئك هم الخارجون إلى أقبح وجوه الكفر وأفحشه .