الشيخ الطبرسي
222
تفسير مجمع البيان
شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) : نهى سبحانه عن قبول شهادة القاذف على التأبيد ، وحكم عليهم بالفسق . ثم استثنى من ذلك فقال : ( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ) أعمالهم . ( فإن الله غفور رحيم ) . واختلف في هذا الاستثناء إلى ماذا يرجع على قولين أحدهما : إنه يرجع إلى الفسق خاصة ، دون قوله ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) فيزول عنه اسم الفسق بالتوبة ، ولا تقبل شهادته إذا تاب بعد إقامة الحد عليه ، عن الحسن وقتادة وشريح وإبراهيم ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . والآخر : إن الاستثناء يرجع إلى الأمرين ، فإذا تاب قبلت شهادته حدا ، ولم يحد ، عن ابن عباس في رواية الوالبي ومجاهد والزهري ومسروق وعطا وطاووس وسعيد بن جبير والشعبي ، وهو اختيار الشافعي وأصحابه ، وقول أبي جعفر عليه السلام ، وأبي عبد الله عليه السلام . قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري قال : زعم أهل العراق أن شهادة القاذف لا تجوز ، فاشهد لأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكرة لما شهد على المغيرة بن شعبة : تب تقبل شهادتك ، أو إن تبت تقبل شهادتك . فأبى أبو بكرة أن يكذب نفسه . وقال الزجاج : ليس القاذف بأشد جرما من الكافر ، والكافر إذا أسلم قبلت شهادته ، فالقاذف أيضا حقه إذا تاب أن تقبل شهادته . يعضد هذا القول : أن المتكلم بالفاحشة لا ينبغي أن يكون أعظم جرما من مرتكبها . ولا خلاف في العاهر ، أنه إذا تاب ، قبلت شهادته . فالقاذف إذا تاب ونزع مع أنه أيسر جرما ، يجب أن تقبل شهادته . وقال الحسن : يجلد القاذف وعليه ثيابه ، ويجلد الرجل قائما ، والمرأة قاعدة ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام . ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله ، فإن لم يفعل ذلك ، لم يجز قبول شهادته ، وبه قال الشافعي . وقيل : إنه لا يحتاج إلى ذلك ، وهو قول مالك . والآية وردت في النساء ، وحكم الرجال حكمهن ذلك في الاجماع . وإذا كان القاذف عبدا ، أو أمة ، فالحد أربعون جلدة عند أكثر الفقهاء . وروى أصحابنا أن الحد ثمانون في الحر والعبد سواء . وظاهر الآية يقتضي ذلك ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، والقاسم بن عبد الرحمن .