الشيخ الطبرسي
189
تفسير مجمع البيان
( يوم ) في قولك . يوم الجمعة القتال . والعامل في الظرف في الأصل الفعل المحذوف ، أو معنى الفعل مثل قولك يحدث أو حادث ، أو يكون أو كائن . ولا يجوز أن يكون العامل فيه الإخراج نفسه ، إذ لو كان كذلك لكان الكلام غير تام ، ولا يكون له خبر ، ثم يحذف هذا المضمر لدلالة الظرف عليه وقيامه مقامه ، ويصير الذكر الذي كان في المضمر من المحدث عنه في الظرف ، وذلك الذكر مرتفع بالظرف كما كان يرتفع بالفعل ، كما في نحو قولك : زيد ذهب ، وزيد ذاهب . فلما قام الظرف مقام الفعل ، متأخرا عن الاسم ، قام مقامه أيضا مبتدأ ، فرفع الاسم الظاهر كما رفعه الفعل . فكذلك ( إذا ) في الآية ، تقديره في الأصل : إذا متم إخراجكم كائن ، أو حادث ، أو يكون ، أو يحدث . ثم اختزل الفعل ، أو معنى الفعل على ما قاله أبو علي ، فانتصب إذا بذلك كما ينتصب ( غدا ) في قولك : غدا الرحيل . وحذف الخبر كما حذف من غد ، ثم قام إذا مقام الفعل ، فرفع قوله ( أنكم مخرجون ) كما رفع قولك : غدا الرحيل . وعلى هذا فيجوز أن نقول هنا : إن موضع ( إذا ) نصب بحادث ، أو يحدث ، المضمر في قولك : إذا متم إخراجكم يحدث ، أو حادث . ويجوز أن نقول : إن الاسم الذي هو ( أنكم مخرجون ) واقع موقع جواب شرط إذا ، ويرفع بفعل مضمر تقديره : أيعدكم إذا متم يعاد إخراجكم ، أو يحدث إخراجكم . ويكون موضع ( إذا ) نصب بذلك الفعل . فأما تقدير ارتفاع ( أن ) الثانية بالظرف في الآيتين الأخيرتين ، فقد تقدم بيانه في موضعيهما من هذا الكتاب ، فلا معنى لإعادته . فقد أجاز أبو عثمان وغيره إضمار الظرف وإعماله ، كما قالوا في انتصاب مثلهم في بيت الفرزدق . فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ، * إذ هم قريش ، وإذ ما مثلهم بشر ( 1 ) إنه على ظرف مضمر . المعنى : ثم عطف سبحانه على قصة نوح ، فقال : ( ثم أنشأنا من بعدهم ) أي : أحدثنا وخلقنا من بعد قوم نوح ( قرنا آخرين ) أي : جماعة آخرين من الناس . والقرن : أهل العصر على مقارنة بعضهم لبعض . قيل : يعني عادا قوم هود ، لأنه المبعوث بعد نوح . وقيل : يعني ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة ، عن الجبائي .
--> ( 1 ) هذا البيت من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز . وضمائر الجمع مرجعها قريش .