الشيخ الطبرسي
184
تفسير مجمع البيان
للتعدي أنبته ونبت به . ويجوز أن يكون الباء في موضع حال ، كما كان في الوجه الأول ، ولا يكون للتعدي . ولكن تنبت وفيها دهن . وقد قالوا أنبت بمعنى نبت ، فكان الهمزة في أنبت مرة للتعدي ، ومرة لغيرها . ويكون من باب أخال وأجرب وأقطف أي : صار ذا خال ، وجرب ( 1 ) . ومن قرأ تنبت فهو على معنى تنبت ، وفيها دهنها ، وتؤكد ذلك قراءة عبد الله ( تخرج بالدهن ) أي : تخرج من الأرض ودهنها معها . قال ابن جني : ذهبوا في بيت زهير : ( حتى إذا أنبت البقل ) ( 2 ) إلى أنه في معنى نبت . وقد يجوز أن يكون محذوف المفعول بمعنى حتى إذا أنبت البقل ثمره . قال : ومن ذهب إلى زيادة الباء في قوله : تنبت بالدهن فمضعوف المذهب ، لأنه يزيد حرفا لا حاجة له إلى اعتقاد زيادته . المعنى : ثم عطف سبحانه على ما تقدم ، فقال : ( وشجرة تخرج من طور سيناء ) أي وأنشأنا لكم بذلك المطر شجرة يعني شجرة الزيتون ، وخضت بالذكر لما فيها من العبرة بأنه لا يتعاهدها انسان بالسقي ، وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن الذي تعظم به المنفعة . وسيناء : اسم المكان الذي به هذا الجبل في أصح الأقوال . وهي نبطية في قول الضحاك ، وحبشية في قول عكرمة . وهي اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها ، عن مجاهد . وقيل : سيناء البركة ، فكأنه قيل : جعل البركة ، عن ابن عباس ، وقتادة . وقيل : طور سيناء الجبل المشجر أي : كثير الشجر ، عن الكلبي ، وقيل : هو الجبل الحسن ، عن عطاء . وهو الجبل الذي نودي منه موسى عليه السلام ، وهو ما بين مصر ، وأيلة ، عن ابن زيد . ( تنبت بالدهن ) أي : تنبت ثمرها بالدهن ، لأنه يعصر من الزيتون الزيت ( وصبغ للآكلين ) والصبغ ما يصطبغ به من الأدم ، وذلك أن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه . والاصطباغ بالزيت : الغمس فيه للائتدام به . والمراد بالصبغ الزيت ، عن ابن عباس ، فإنه يدهن به ويؤتدم . جعل الله في هذه الشجرة أدما ودهنا . فالأدم الزيتون ، والدهن الزيت . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( الزيت شجرة مباركة فائتدموا به ، وادهنوا ) .
--> ( 1 ) [ وقطف ] . ( 2 ) هذا جزء من بيت تمامه : ( رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل )