الشيخ الطبرسي
130
تفسير مجمع البيان
الحق ) ، و ( ذلك بما قدمت يداك ) : يجوز أن يكون ( ذلك ) مبتدءا ، والجار والمجرور في موضع الخبر . ويجوز أن يكون التقدير الأمر ذلك ، فيكون ( ذلك ) : خبر مبتدأ محذوف . المعنى : لما قدم سبحانه ذكر الأدلة ، عقبه بما يتصل به فقال : ( ذلك بأن الله هو الحق ) معناه : ذلك الذي سبق ذكره من تصريف الخلق على هذه الأحوال وإخراح النبات بسبب أن الله هو الحق أي : ليعلموا أنه الذي يحق له العبادة دون غيره . وقيل : هو الذي يستحق صفات التعظيم ( وأنه يحيي الموتى ) لأن من قدر على إنشاء الخلق ، فإنه يقدر على إعادته . ( وأنه على كل شئ قدير ) أما المعدومات فيقدر على إيجادها . وأما الموجودات فيقدر على إفنائها وإعادتها . ويقدر على جميع الأجناس ، ومن كل جنس ، على ما لا نهاية له . ( وأن الساعة آتية لا ريب فيها ) أي : وليعلموا أن القيامة آتية لا شك فيها ( وأن الله يبعث من في القبور ) أي : يحييهم للجزاء ، لأن ما ذكرناه يدل على البعث على الوجه الذي بيناه . ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) سبق تفسيره ( ولا هدى ) أي : لا يرجع فيما يقوله إلى علم ولا دلالة ( ولا كتاب منير ) أي : مضئ له نور يؤدي من تمسك به إلى الحق . والمعنى : أنه لا يتبع أدلة العقل ، ولا أدلة السمع ، وإنما يتبع الهوى والتقليد . وفي هذا دلالة على أن الجدال بالعلم صواب ، وبغير العلم خطأ . لأن الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق ، وبغير العلم يدعو إلى اعتقاد الباطل . ( ثاني عطفه ) أي متكبرا في نفسه ، عن ابن عباس ، يقول العرب : ثنى فلان عطفه إذا تكبر وتجبر . وعطفا الرجل : جانباه من عن يمين أو شمال ، وهو الموضع الذي يعطفه الانسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشئ . وقيل : معناه لاوي عنقه إعراضا وتكبرا عن الله ورسوله ، عن قتادة ومجاهد . ( ليضل عن سبيل الله ) أي ليضل الناس عن الدين . ومن فتح الياء أراد : ليضل هو عن طريق الحق المؤدي إلى توحيد الله . ( له في الدنيا خزي ) أي هوان وذل وفضيحة ، بما يجري له على ألسنة المؤمنين من الذم ، وبالقتل وغير ذلك . ( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ) أي : النار التي تحرقهم ( ذلك ) أي : يقال له ذلك العذاب ( بما قدمت يداك ) أي : بما كسبت يداك ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) في تعذيبه ، لأن الله لا يظلم ولا يعاقب ابتداء ، ولا يزيد على الجزاء . وفي هذا دلالة واضحة على بطلان مذهب المجبرة