الشيخ الطبرسي

112

تفسير مجمع البيان

يقال هؤلاء أمتنا أي : فريقنا وموافقونا على مذهبنا . ( وأنا ربكم ) الذي خلقكم ( فاعبدوني ) ولا تشركوا بي شيئا . ثم ذكر اليهود والنصارى بالاختلاف فقال : ( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي : فرقوا دينهم فيما بينهم ، يلعن بعضهم بعضا ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، عن الكلبي وأبن زيد . والتقطع هذا بمنزلة التقطيع . ثم قال مهددا لهم : ( كل إلينا راجعون ) أي : كل ممن أجتمع وافترق راجع إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا ، فنجازيهم بأعمالهم ( فمن يعمل من الصالحات ) التقدير : فمن يعمل من الصالحات شيئا ، مثل صلة الرحم ، ومعونة الضعيف ، ونصر المظلوم ، والتنفيس عن المكروب ، وغير ذلك من أنواع الطاعات ( وهو مؤمن ) شرط الإيمان لأن هذه الأشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله تعالى ( فلا كفران لسعيه ) أي . فلا جحود لإحسانه في عمله ، بل يشكر ويثاب عليه . ( وإنا له كاتبون ) أي : نأمر ملائكتنا أن يكتبوا ذلك ويثبتوه ، فلا يضيع منه شئ . وقيل : كاتبون أي : ضامنون جزاءه حتى نوفر على عاملها مجموعه . ومنه الكتيبة : لأنه ضم رجال إلى رجال ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) اختلف في معناه على وجوه أحدها أن لا مزيدة ، والمعنى : حرام على قرية مهلكة بالعقوبة ، أن يرجعوا إلى دار الدنيا ، عن الجبائي . وقيل : إن معناه واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها ، عن قتادة وعكرمة والكلبي . قال عطا : يريد حتم مني ، والمراد : إن الله تعالى كتب على من أهلك أن لا يرجع إلى الدنيا قضاء منه حتما . وفي ذلك تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا وأهلكوا ، لم يرجعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلكة . وقد جاء الحرام بمعنى الواجب في شعر الخنساء : وإن حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوة إلا بكيت على صخر ( 1 ) وثانيها : إن معناه حرام على قرية وجدناها هالكة بالذنوب ، أن يتقبل منهم عمل ، لأنهم لا يرجعون إلى التوبة . وثالثها : إن معناه حرام أن لا يرجعوا بعد الممات ، بل يرجعون أحياء للمجازاة ، عن أبي مسلم . وروى محمد بن مسلم ،

--> ( 1 ) الشجوة : الحزن . وفي نسخة مخطوطة وكذا في اللسان ( على عمرو ) مكان ( على صخر ) ونسب البيت في اللسان إلى عبد الرحمن المحاربي .