الشيخ الطبرسي
91
تفسير مجمع البيان
جملة معجزاته ، لأنه لا يمكن معرفة مثل ذلك ، إلا بوحي من الله تعالى . فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في العقبة ، وعمار وحذيفة معه ، أحدهما يقود ناقته ، والآخر يسوقها ، وأمر الناس كلهم بسلوك بطن الوادي . وكان الذي هموا بقتله اثني عشر رجلا ، أو خمسة عشر رجلا ، على الخلاف فيه عرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسماهم بأسمائهم ، واحدا واحدا ، عن الزجاج ، والواقدي ، والكلبي . والقصة مشروحة في كتاب الواقدي . وقال الباقر عليه السلام : كانت ثمانية منهم من قريش ، وأربعة من العرب . المعنى : ثم أظهر سبحانه أسرار المنافقين ، فقال : ( يحلفون بالله ما قالوا ) يعني : أنهم حلفوا كاذبين ما قالوا ما حكي عنهم . ثم حقق عليهم ذلك وأقسم سبحانه بأنهم قالوا ذلك ، لأن اللام في ( ولقد قالوا ) لام القسم و ( كلمة الكفر ) كل كلمة فيها جحد لنعم الله تعالى ، وكانوا يطعنون في الاسلام ( وكفروا بعد إسلامهم ) أي : بعد إظهار إسلامهم ، يعني ظهر كفرهم بعد أن كان باطنا . ( وهموا بما لم ينالوا ) قيل : فيه ثلاثة أقوال أحدها : إنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة ، والتنفير بناقته ، عن الكلبي ، ومجاهد ، وغيرهما وثانيها : إنهم هموا باخراج الرسول من المدينة ، فلم يبلغوا ذلك ، عن قتادة ، والسدي وثالثها : إنهم هموا بالفساد والتضريب بين أصحابه ، ولم ينالوا ذلك ، عن الجبائي ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) معناه : إنهم عملوا بضد الواجب ، فجعلوا موضع شكر النعمة أن نقموها ، وبيانه أنهم نقموا فيما ليس بموضع للنقمة ، فإنه لم يكن للمسلمين ذنب ينقمونه منهم ، بل الله تعالى أباح لهم الغنائم ، وأغناهم بذلك ، فقابلوا النعمة بالكفران ، وكان من حقهم أن يقابلوها بالشكر . وقد مر هذا المعنى عند قوله ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ) الآية في سورة المائدة ، وإنما لم يقل من فضلهما ، لأنه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية ، تعظيما لله ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن سمعه يقول : ( من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ، ومن عصاهما فقد غوى ) : بئس خطيب القوم أنت ! فقال كيف أقول يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال قل : ( ومن يعص الله ورسوله ) وهكذا القول في قوله سبحانه ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) وقيل إنما لم يقل : من فضلهما ، لأن فضل الله سبحانه منه ، وفضل رسول الله من فضل الله ( فإن يتوبوا يك خيرا لهم ) أي : فإن يتب هؤلاء المنافقون ،