الشيخ الطبرسي
88
تفسير مجمع البيان
ويمتثلون طاعة الله ورسوله ، ويتبعون إراداتهما ورضاهما ( أولئك سيرحمهم الله ) أي : الذين هذه صفتهم يرحمهم الله في الآخرة ( إن الله عزيز حكيم ) أي : قادر على الرحمة والعذاب ، واضع كل واحد منهما موضعه . وفي الآية دلالة على أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، من فروض الأعيان ، لأنه جعلهما من صفات جميع المؤمنين ، ولم يخص قوما منهم دون قوم ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : من تحت أشجارها الأنهار ، والماء فيها ( خالدين فيها ومساكن طيبة ) يطيب العيش فيها ، بناها الله تعالى من اللآلئ ، والياقوت الأحمر ، والزبرجد الأخضر ، لا أذى فيها ، ولا وصب ( 1 ) ، ولا نصب ، عن الحسن ( في جنات عدن ) أي : في جنات إقامة وخلد . وقيل : هي بطنان الجنة ، أي : وسطها ، عن ابن مسعود . وقيل : هي مدينة في الجنة ، وفيها الرسل ، والأنبياء ، والشهداء ، وأئمة الهدى ، والناس حولهم ، والجنان حولها ، عن الضحاك . وقيل : إن عدنا أعلى درجة في الجنة . وفيها عين التسنيم ، والجنان حولها محدقة بها ، وهي مغطاة من يوم خلقها الله ، عز وجل ، حتى ينزلها أهلها الأنبياء ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون ، ومن شاء الله . وفيها قصور الدر ، واليواقيت ، والذهب ، فتهب ريح طيبة من تحت العرش ، فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض ، عن مقاتل ، والكلبي . وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : عدن دار الله التي لم ترها عين ، ولم تخطر على قلب بشر ، لا يسكنها غير ثلاثة : النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، يقول الله ، عز وجل : طوبى لمن دخلك ( ورضوان من الله أكبر ) رفع على الابتداء ، أي : ورضا الله تعالى عنهم أكبر من ذلك كله . قال الجبائي : إنما صار الرضوان أكبر من الثواب ، لأنه لا يوجد شئ منه إلا بالرضوان ، وهو الداعي إليه ، الموجب له . وقال الحسن : لأن ما يصل إلى القلب من السرور برضوان الله ، أكبر من جميع ذلك ، وإنما رفع رضوان لأنه استأنفه للتعظيم ، كما يقول القائل أعطيتك ووصلتك ، ثم يقول وحسن رأيي فيك ، ورضاي عنك ، خير من جميع ذلك . ( ذلك هو الفوز العظيم ) أي : ذلك النعيم الذي وصفت ، هو النجاح العظيم الذي لا شئ أعظم منه . ثم أمر سبحانه بالجهاد ، فقال : ( يا أيها الني جاهد
--> ( 1 ) الوصب : المرض ، والتعب ، والوجع الدائم .