الشيخ الطبرسي

82

تفسير مجمع البيان

نفر ، أو ثلاثة ، يستهزؤون ويضحكون ، وأحدهم يضحك ولا يتكلم ، فنزل جبريل ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فدعا عمار بن ياسر ، وقال : إن هؤلاء يستهزؤون بي وبالقرآن ، أخبرني جبرائيل بذلك ، ولئن سألتهم ليقولن كنا نتحدث بحديث الركب . فاتبعهم عمار ، وقال لهم : مم تضحكون ؟ قالوا : نتحدث بحديث الركب . فقال عمار : صدق الله ورسوله ، احترقتم أحرقكم الله . فأقبلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتذرون ، فأنزل الله تعالى الآيات ، عن الكلبي ، وعلي بن إبراهيم ، وأبي حمزة . وقيل : إن رجلا قال في غزوة تبوك : ما رأيت أكذب لسانا ، ولا أجبن عند اللقاء من هؤلاء - يعني رسول الله وأصحابه - فقال له عوف بن مالك : كذبت ، ولكنك منافق . وأراد أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فجاء وقد سبقه الوحي . فجاء الرجل معتذرا ، وقال : إنما كنا نخوض ونلعب ، ففيه نزلت الآية ، عن ابن عمر ، وزيد بن أسلم ، ومحمد بن كعب . وقيل : إن رجلا من المنافقين قال : يحدثنا محمد ان ناقة فلان بوادي كذا وكذا ، وما يدريه ما الغيب ! فنزلت الآية ، عن مجاهد . وقيل : نزلت في عبد الله بن أبي ، ورهطه ، عن الضحاك . المعنى : ثم أخبر سبحانه عنهم فقال ( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم ) فيه قولان أحدهما : إنه إخبار بأنهم يخافون أن يفشوا سرائرهم ، ويحذرون ذلك ، عن الحسن ، ومجاهد ، والجبائي ، وأكثر المفسرين . والمعنى : إنهم يحذرون من أن ينزل الله عليهم أي : على النبي والمؤمنين ، سورة تخبر عما في قلوبهم من النفاق والشرك . وقد قيل : إن ذلك الحذر إنما أظهره على وجه الاستهزاء ، لا على سبيل التصديق ، لأنهم حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينطق في كل شئ ، عن الوحي ، قال بعضهم لبعض : إحذروا ألا ينزل وحي فيكم ، يتناجون بذلك ، ويضحكون ، عن أبي مسلم . وقيل : إنهم كانوا يخافون أن يكون عليه السلام ، صادقا ، فينزل عليه الوحي ، فيفتضحون ، عن الجبائي . وقيل : إنهم كانوا يقولون القول فيما بينهم ، ثم يقولون : عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا ، عن مجاهد . والثاني : إن هذا اللفظ لفظه الخبر ، ومعناه الأمر ، فهو كقولك : ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تخبرهم بما في قلوبهم من النفاق ، وحسن ذلك لأن موضع الكلام على التهديد ( قل استهزءوا ) معناه : قل يا محمد لهؤلاء المنافقين : استهزءوا أي : اطلبوا الهزء ، وهو وعيد بلفظ الأمر ( إن الله مخرج ما تحذرون ) أي : مظهر ما