الشيخ الطبرسي

419

تفسير مجمع البيان

وبليت بأنه لم تكن بمصر امرأة أجمل مني ، ولا أكثر مالا مني ، وبليت بزوج عنين . فقال لها يوسف : فما حاجتك ؟ قالت : تسأل الله أن يرد علي شبابي . فسأل الله فرد عليها فتزوجها وهي بكر . وروي عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : رحم الله أخي يوسف ، لو لم يقل إجعلني على خزائن الأرض لولاه من ساعته ، ولكنه أخر ذلك سنة . قال ابن عباس : فأقام في بيت الملك سنة . فلما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة ، دعاه الأمير ، فتوجه ورداه بسيفه ، وأمر بأن يوضع له سرير من ذهب ، مكلل بالدر والياقوت ، ويضرب عليه كلة من إستبرق ، ثم أمره أن يخرج متوجا لونه كالثلج ، ووجهه كالقمر ، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه . فانطلق حتى جلس على السرير ، ودانت له الملوك . فعدل بين الناس ، فأحبه الرجال والنساء ، وذلك قوله عز اسمه ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ) أي : ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا عليه ، أقدرنا يوسف على ما يريد في الأرض ، يعني أرض مصر . ( يتبوأ منها حيث يشاء ) أي : يتصرف فيها حيث يشاء ، وينزل منها حيث يشاء ( نصيب برحمتنا من نشاء ) أي : نخص بنعم الدين والدنيا من نشاء ( ولا نضيع أجر المحسنين ) أي : المطيعين . وقيل : الصابرين عن ابن عباس . وقيل : إنه دعا الملك إلى الاسلام فأسلم ، عن مجاهد . ، وغيره . قالوا : وأسلم أيضا كثير من الناس . فهذا في الدنيا ( ولأجر الآخرة ) أي : ثواب الآخرة ( خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) لخلوصه عن الشوائب والأقذار . وفي هذه إشارة إلى أنه سبحانه يؤتي يوسف في الآخرة من الثواب والدرجات ما هو خير مما آتاه الله في الدنيا من الملك والنعمة . سؤال : قالوا كيف جاز ليوسف أن يطلب الولاية من قبل الكفرة الظلمة ؟ وجوابه : لأنه علم أنه يتمكن بذلك من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ووضع الحقوق مواضعها . وقد جعل الله سبحانه جميع ذلك له من جهة كونه نبيا إماما . وكان يفعل ذلك من قبل الله تعالى . وإنما سأل الولاية ليتمكن من الأمور التي له أن يفعلها . وأيضا فإنه علم أنه سبب يتوصل به إلى الدعاء إلى الخير ، وإلى رؤية والديه واخوته . وفي الآية دلالة على أن ذلك التمكين ، والملك ، والتدبير ، كان بلطف الله سبحانه وفضله . وفيها دلالة أيضا على جواز تولي القضاء من جهة الباغي والظالم ، إذا يتمكن بذلك من إقامة أحكام الدين .