الشيخ الطبرسي

416

تفسير مجمع البيان

اللغة : الاستخلاص : طلب خلوص الشئ من شائب الاشتراك ، كأنه يريد أن يكون خالصا له . وفي حديث سلمان الفارسي ( رض ) : إنه كاتبه أهله على أربعين أوقية خلاص أي : ما أخلصته النار من الذهب . وكذلك الخلاصة ، والمكين : من المكانة ، وأصله التمكن في الأمر ، يقال : مكن مكانة فهو مكين : إذا كان له قدر وجاه يتمكن بهما مما يروم . والتبوء : اتخاذ منزل يرجع إليه ، وأصله من باء يبوء : إذا رجع . المعنى : ( وقال الملك ائتوني به ) معناه : إن الملك لما تبين له أمانة يوسف ، وبراءته من السوء ، وعلمه أمر بإحضاره فقال : ائتوني به ( أستخلصه لنفسي ) أي : اجعله خالصا لنفسي أرجع إليه في تدبير مملكتي ، وأعمل على إشارته في مهمات أموري ( فلما كلمه ) ههنا حذف معناه . فلما جاء الرسول يوسف ، ودعاه ، خرج من السجن ، ودخل على الملك ، وكلمه وعرف فضله وأمانته وعقله ، لأنه استدل بكلامه على عقله ، وبعفته على أمانته ( قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ) أي : إنك عندنا ذو مكانة ، متمكن في المنزلة والقدر ، نافذ القول والأمر ، ظاهر الأمانة ، مأمون ثقة . قال ابن عباس : يريد مكنتك من ملكي ، وجعلت سلطانك فيه كسلطاني ، وائتمنتك فيه . قال الكلبي : إن رسول الملك جاءه فقال له : قم فإن الملك يدعوك ، وألق ثياب السجن عنك ، والبس ثيابا جددا . فأقبل يوسف ، وتنظف من درن السجن ، ولبس ثيابه ، وأتى الملك وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة . فلما رآه الملك شابا حدث السن ، قال : يا غلام هذا تأويل رؤياي . ولم يعلمه السحرة ، ولا الكهنة . قال : نعم . فأقعده قدامه ، وقص عليه رؤياه . وروي أن يوسف لما خرج من السجن ، دعا لأهله وقال : اللهم اعطف عليهم بقلوب الأخيار ، ولا تعم عليهم الأخبار . فلذلك يكون أصحاب السجن أعرف الناس بالأخبار في كل بلدة . وكتب على باب السجن : هذا قبور الأحياء ، وبيت الأحزان ، وتجربة الأصدقاء ، وشماتة الأعداء . قال وهب : ولما وقف بباب الملك ، قال : حسبي ربي من دنياي ، وحسبي ربي من خلقه ، عز جاره ، وجل ثناؤه ، ولا إله غيره . ولما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بك من شره ، وشر غيره . ولما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية ، فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان عمي إسماعيل . ثم دعا له بالعبرانية ، فقال له