الشيخ الطبرسي
398
تفسير مجمع البيان
إن لم يطعها فيما تدعوه إليه ، فقالت : ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ) أي : وإن لم يجبني إلى ما أدعوه إليه ، ليحبس في السجن ، وليكون من الأذلاء . فلما رأى يوسف إصرارها على ذلك وتهديدها له ، اختار السجن على المعصية ف ( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) معناه : يا رب ! إن السجن أحب إلي وأسهل علي مما يدعونني إليه من الفاحشة . وفي هذا دلالة على أن النسوة دعونه إلى مثل ما دعته إليه امرأة العزيز . وفي حديث أبي حمزة الثمالي : عن علي بن الحسين عليه السلام : إن النسوة لما خرجن من عندها ، أرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا من صاحبته ، تسأله الزيارة . وقيل : إنهن قلن له : أطع مولاتك ، واقض حاجتها ، فإنها المظلومة ، وأنت ظالم . وقيل : إنهن لما رأين يوسف ، استأذن امرأة العزيز بأن تخلو كل واحدة منهن به ، وتدعوه إلى ما أرادته منه إلى طاعتها . فلما خلون به ، دعته كل واحدة منهن إلى نفسها ، فلذلك قال : ( مما يدعونني إليه ) . ويسأل ، فيقال : كيف قال يوسف ( السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) ولا يجوز أن يراد السجن الذي هو المكان ، وان عني به السجن الذي هو المصدر فإن السجن معصية ، كما أن ما دعونه إليه معصية ، فلا يجوز أن يريده ؟ فالجواب : إنه لم يرد المحبة التي هي الإرادة ، وإنما أراد أن ذلك أخف علي وأسهل . ووجه آخر : إن المعنى لو كان مما أريده لكان إرادتي له أشد . وقيل : إن معناه توطيني النفس على السجن ، أحب إلي من توطيني النفس على الزنا ، عن أبي علي الجبائي ( وإلا تصرف عني كيدهن ) بألطافك ، لأن كيدهن قد وقع وحصل ( أصب إليهن ) أمل إليهن ، أو إلى قولهن بهواي . والصبوة : لطافة الهوى ( وأكن من الجاهلين ) أي : المستحقين لصفة الذم بالجهل . وقيل : معناه أكن بمنزلة الجاهلين في فعلي . ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ) أي : فأجاب له ربه فيما دعاه . فعصمه من مكرهن . فإن قيل : ما معنى سؤال يوسف اللطف من الله ، وهو عالم بأن الله يفعله لا محالة ؟ فالجواب : إنه يجوز أن تتعلق المصلحة بالألطاف عند الدعاء المجدد ومتى قيل . كيف علم أنه لولا اللطف لركب الفاحشة ، وإذا وجد اللطف امتنع ؟ قلنا : لما وجد في نفسه من الشهوة ، وعلم أنه لولا لطف الله لأرتكب القبيح ، وعلم أن الله سبحانه يعصم أنبياءه بالألطاف ، وأن من لا يكون له لطف ، لا